ملاحظة المحرر: نشرت مجلة “أوريان 21” الفرنسية، قبل ثلاث سنوات هذا التقرير عن الزعيم السوداني محمد حمدان دقلو، الذي اشتُهر بلقب حميدتي. ويحمل حميدتي رتبة فريق أول ويقود ما تدعى “قوات الدعم السريع” التي قمعت بعنف شديد اعتصام حزيران (يونيو) 2019 في السودان. وقد استهل مسيرته العسكرية الدامية في إقليم دارفور السوداني. وحسب التقرير، كان هذا القائد القاسي يمارس السلطة فعليًا في السودان، في انتظار ما كان يفترض أن يكون انتقالًا ديمقراطيًا في العام 2021، لكنه لم يتحقق. ومع عودة أحداث العنف الدموي إلى السودان هذه الأيام، قد يكون من المفيد نشر تقرير “أوريان” للمساعدة على فهم أدوار حميدتي، أحد طرفي الصراع الحالي على السلطة، حيث لم تفقد المعلومات صلاحيتها.
- * *
يشهد السودان منذ عزل واعتقال الرئيس عمر البشير في 10 نيسان (أبريل) 2019 تعايشًا هشًا بين المجتمع المدني و”القوات المسلحة” شبه المخصخصة، على الرغم من أن الوزير الأول المدني، عبد الله حمدوك، أعلن أمام وفد من الكونغرس الأميركي جاء في زيارة إلى الخرطوم خلال شهر كانون الثاني (يناير) 2020 “أن الشراكة في الحكم بين المدنيين والعسكريين (في السودان) هي نموذج فريد لبقية العالم”. ولم يكن هذا الكلام من باب التباهي، بل يدعو إلى النظر فيما عاشه السودان في الأشهر الأخيرة.
عودة المجتمع المدني
بعد 25 عامًا من الديكتاتورية، لم يكن للنظام ذي التوجه الإسلامي ما يقدمه غير فشله المتواصل وفساده المتزايد. وقد زادت الأزمة الاقتصادية الطين بلة فحسب. فقد ارتفع في 2018 سعر العدس، حتى كتابة هذه السطور، بنسبة 225 في المائة، وسعر الأرز بنسبة 169 في المائة، وسعر الخبز بنسبة 300 في المائة، وأسعار المحروقات بنسبة 30 في المائة. وكان السكان يفتقرون إلى الغاز لطهي وجباتهم -بل وحتى إلى الماء. وكانت النفقات العسكرية تصل إلى 24 مليار ليرة من أصل مجموع 173 مليارًا هو ميزانية العام 2018، بينما لا يحظى التعليم سوى بخمسة مليارات والصحة بأقل من ثلاثة.
كان رد فعل المجتمع المدني على هذا الوضع المأساوي هو تنظيم نفسه بشكل عفوي منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2013؛ حيث شرعت مجموعة من العاملين في تأسيس منظمات مهنية وصل عددها اليوم إلى 16، والتي وتجتمع تحت راية “تجمع المهنيين السودانيين”. وكان هذا العمل النقابي السري ينشط بصرامة تنظيمية تذكر بصرامة أتباع الماركسية اللينينية قبل العام 1917، وإنما من دون أن يكون لهم انتماء أيديولوجي واضح، سوى حس ديمقراطي ورفض للعنف، حتى أن “سلمية” بات شعارًا يجمع المتظاهرين في السودان من الأطياف كافة. كما عادت بعض الأحزاب المنسية نوعًا ما خلال 30 سنة من الديكتاتورية الإسلاموية-العسكرية إلى بعض الظهور، بعد أن جمعتها قوى إعلان الحرية والتغيير.
تمتعت هذه الحركة الديمقراطية بشعبية هائلة، لكنها كانت تشكو من ثلاث نقاط ضعف: أنها حاضرة أكثر في المدن؛ وتعد خاصة بـ”ولاد البلد” -أي العرب الذين يعيشون في المحافظات المركزية. كما أنها -باستثناء نقابيي تجمع المهنيين السودانيين- ظلت تشكو من العديد من الانقسامات.
جنرال بمساندة إماراتية
كان سياق بداية العام 2019 خاصًا في السودان، إذ لم يعد النظام الإسلاموي-العسكري إسلاميًا، ودخل الجيش في منافسة مع قوات شبه عسكرية أصبحت مستقلة عندما طلب منها عمر البشير أن تشارك في صراعات خارجية. وقد لعب إرسال حميدتي لـ”متطوعين” من “قوات الدعم السريع” إلى اليمن دورًا مهمًا في ذلك. وبعد اعتقال البشير، أصبح حميدتي نائبًا لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، لكنه يعلب عمليًا دور القائد الحقيقي، على الرغم من وجود رئيس المجلس، الفريق أول عبد الرحمن عبد الفتاح برهان. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تسليح هؤلاء “المتطوعين” يفوق الآن تسليح الجيش النظامي الذي ينتمي إليه برهان، بسبب مساهمة دولة الإمارات العربية المتحدة التي أمدت “قوات الدعم السريع” بوسائل تقنية متقدمة.
وحميدتي رجل متوحش وخبيث وذكي، على الرغم من تدني مستوى تعليمه. وقد أصبح من أصحاب الملايين بفضل استغلاله الفظ لمناجم الذهب غرب البلاد. وكان في عهد البشير قائد ميليشيا في دارفور حيث ارتكب أعمال عنف واسعة قبل أن ينقلب على البشير الذي كان يرى فيه “حاميه” الشخصي. ومن هنا يأتي التباس الوضع الحالي: هل نحن أمام انقلاب عسكري أم أمام ثورة ديمقراطية؟
كانت الانتفاضة الشعبية السودانية مزيجًا من الحفلة والاجتماع السياسي والتضامن الاجتماعي. كان الأطفال تحت رعاية الجميع، والنساء حاضرات بقوة، وأهالي المناطق الداخلية يسكتشفون العاصمة، فيما رفعت الحشود شعارات “سلمية”، و”حرية”، وثورة”، و”ضد الحرامية” و”مدنية”. وكانت الاعتصامات الثورية بمثابة معسكرات احتفالية.
ولكن، فيما كان بعض العسكريين في الخرطوم يختلطون بالمتظاهرين، كان غيرهم يقتلون أو يطلقون النار على أنصار التغيير في المناطق الداخلية. ولم يكن هؤلاء عسكريين من الجيش النظامي الذين كان يحاول حماية المتظاهرين، وإنما كانوا مرتزقة من “قوات الدعم السريع” التي جاءت من دارفور، أو من “كتيبة العمليات” التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، من تأسيس الفريق الأول صلاح عبد الله قوش.
وكانت انتفاضة دارفور قد حطمت من قبل صورة “التجانس الوطني” تحت راية شكل متطرف من الإسلاموية، كما فضحت حقيقة نظام فاسد انتقل إلى ممارسة تجارة غير قانونية أثناء الفترة البترولية (1999-2011). وباتت “الدولة العميقة” التي بناها الإسلامويون هي البديل الإيديولوجي (والمالي) لسودان مصطنع. وجاءت أحداث العام 2019 لتكون بمثابة فرصة للكثيرين في السودان لمراجعة تاريخ البلاد منذ استقلالها في العام 1956، حيث كانت جميع الحقب محل نقاشات شعبية، مثل “الحرب الأهلية” مع جنوب مختلف، أو الانقلابات، أو الحديث الفارغ عن فورات ديمقراطية، أو الإسلام السياسي كحل إعجازي، أو الاحتلال الذي يمارسه الحكم المركزي على الجهات الأخرى. وحتى القومية العربية كانت محل انتقاد. وكان نظام البشير تجسيدًا لجميع أخطاء الماضي في ظل هذا التعطش لإعادة النظر في التاريخ الوطني.
أعراض ثورة تحن إلى الماضي
لم يفهم المجتمع الدولي هذه “الثورة التي تحن إلى الماضي”. بطبيعة الحال، يمكن مقارنتها بثورات “الربيع العربي” التي تشترك معها في عدائها للديكتاتورية وتوقها إلى الديمقراطية. لكنها لم تكن تثق أبدًا في الإسلام السياسي الذي عارضه المتظاهرون بشكل واضح، ولا شك في أن للاختلاف العرقي الموجود في السودان دورا في ذلك. الفريق الأول الدموي، حميدتي، من مواليد ضواحي دارفور. وقد جمع تحت راية “قوات الدعم السريع” الكثير من الجنود الضائعين الذين سبق وأن شاركوا في حروب الساحل (من تشاد والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى -وحتى منشقين عن مجموعة “بوكو حرام”). ولا يكنّ حميدتي عداء للإسلام نظرًا لتجذر الثقافة الإسلامية في المجتمع السوداني. لكن الإسلاميين الذين يفضلون “الدولة الإسلامية العميقة” على وطنهم خسروا السيطرة على السكان. وهو السبب الذي يجعل محاولة المملكة العربية السعودية والسودان للحفاظ على نظام إسلامي من دون “إخوان” تبوء بالفشل.
تصفية لثكنات جهاز الأمن والمخابرات الوطني
فهم ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد هذا الواقع قبل “حلفائه السعوديين”، وكذلك فعل الفريق الأول حميدتي. وعندما تمرد شبه المسرَّحين من جهاز الأمن والمخابرات الوطني في ثكنتين في 14 كانون الثاني (يناير)، حيث كانوا يمكثون من دون عمل، لم يتردد حميدتي طويلًا قبل أن يرسل رجاله لمهاجمة الثكنتين، وتواصل القتال حتى ساعة متأخرة من الليل. وكان المتمردون قد علموا بحل “كتيبة العمليات” التابعة لجهازهم التي كانت تعمل في الابتزاز وعمليات الخطف وتقاضي الضرائب غير الشرعية. وانهزمت مجموعات جهاز الأمن والمخابرات الوطني وذهب موتاهم في تعداد الخسائر. لكن حميدتي أُجبر على السفر إلى أبو ظبي لكي يشرح لبن زايد قراره. صحيح أنه حليف الإمارات في السودان، لكنه ليس مجرد مفعول به في المنطقة. وقد انتبه الزعيم الإماراتي إلى ذلك عندما اعتذر حميدتي عن عدم إرسال دعم للقائد خليفة حفتر الذي لم ينجح بعد في دخول العاصمة الليبية، طرابلس. وعلى إثر ذلك، لم يكن من الإمارات إلا أن قامت بتجنيد “حراس أمن” من خلال شركة “بلاك شيلد للخدمات الأمنية”.
وهناك مثال آخر على استقلالية ضابط دارفور، وهو رفضه تقديم يد المساعدة لمجموعات مرتبطة بـ”الدولة الإسلاموية العميقة”، حاولت تنظيم مظاهرات ضد السلطة الجديد في ود مدني (وسط السودان) في 11 كانون الثاني (يناير) 2020، وقد دفع نقود لعمال فلاحين عاطلين عن العمل لحشد الصفوف وتقديم المساعدة المطلوبة.
هل يمكن إذن قول أن تصريح الوزير الأول عبد الله حمدوك أمام الوفد الأميركي يؤكد فعلاً وجود نموذج سوداني متفرد للعلاقات بين المدنيين والعسكريين؟ الأمر صحيح نسبيًا. فالمقصود هنا بالـ”عسكريين” هو حميدتي، لأن الجيش النظامي لم يعد يسيطر على الوضع السياسي أو العسكري في البلد. وخلال محادثات جوبا بين مقاتلي “الحركة الشعبية لتحرير السودان” والشمال التي كانت تجرى في إقليم كردفان جنوب البلاد، كان حميدتي يلعب الدور الرئيسي، وقد نجح في الوصول إلى اتفاق سلام أولي، على أمل أن يتأكد في 14 شباط (فبراير) المقبل.
اتهام الوزير الأول بالجمود
لن تكون هناك انتخابات قبل 2021 وفق اتفاق تقاسم السلطة في 5 تموز (يوليو) 2019، كما أنه لا يحق للمسؤولين الحاليين في الفترة الانتقالية أن يترشحوا فيها. صحيح أن الوزير الأول عبد الله حمدوك يبذل قصارى جهده، لكنه يفعل ذلك ببطء شديد ومزعج في نظر السكان الذين شاركوا في المظاهرات حتى حزيران (يونيو) 2019. ولم يقرر إلا مؤخرا إقالة وزير الخارجية الذي أساءت لامبالاته إلى الدبلوماسية السودانية الجديدة، بعد 30 سنة من الركود والفساد.
كما يواصل حمدوك التوسل إلى البنك الدولي للحصول على مساعدة ما يزال يرفضها الأميركيون بحجة العقوبات التي صوتت لصالح فرضها في الماضي ضد النظام الإسلاموي. وتبدو علاقة حميدتي بالوزير الأول جيدة من دون أن تكون ودية، كما يبقى على صلة بأحزاب قديمة مثل صادق المهدي، “حزب الأمة” أو بأحزاب أخرى -وإنما بطريقة أكثر سرية. ويقوم رجال حميدتي بتوزيع الغذاء والأدوية مجانًا، وهو اليوم يجند عناصر جددً -ليس فقط في مسقط رأسه بدارفور، بل وأيضًا من “أولاد البلد” في وادي النيل.
أما سكان دارفور الذين يتواجدون في مكاتبه بالخرطوم، والذين قُتل أقرباء بعضهم على يد حميدتي، فهم ينتظرون الوقت المناسب للاستفادة من الوضع: “نحن نعرفه على الأقل، ونعرف كيف نتعامل معه. كما يسرنا أن يصل أحد أبناء دارفور إلى الرئاسة، بعد سنين من الاحتلال”.
إلى أين سيصل تاجر الإبل الذي أصبح قائد ميليشيا؟ الكثيرون يعيبون عليه تدني مستواه التعليمي وأصوله غير السودانية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يصبح شخصية رئيسية على الساحتين الدولية والإقليمية.
“الغد”


























