طرحت الانتخابات الايرانية ونتائجها وذيولها موضوع ولاية الفقيه مجدداً على بساط البحث، ورغم خصوصية الحدث الإيراني، لاسيما وأن "الديمقراطية المقننة" كانت نتاجاً توليفياً حاول الجمع بين مرجعية ولاية الفقيه الذي بيده القدح المعلاّ كما يقال، وبين اجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية، فضلاً عن ذلك فثمة مرجعيات أخرى غير منتخبة بين ولاية الفقيه وبين رئاسة الجمهورية، ونعني بها مجلس صيانة الدستور وهيئة تشخيص مصلحة النظام، وعلى رأس الجميع يجلس متربعاً ولي الفقيه غير المنازع، وهو اصطلاح ديني "شيعي" لكنه في المعنى السياسي أقرب الى رئيس مجلس قيادة الثورة أو الأمين العام للحزب في أوضاع الأنظمة الاستبدادية، حين تكون صلاحياته أقرب الى الصلاحيات المطلقة.
لعل الذي جاء بولاية الفقيه في إيران الى مواقع السلطة هو ثورة العام 1979 التي قادها السيد روح الله الخميني، وكان قد نظّر لها في كتابه "الحكومة الاسلامية" منذ عقد ونصف من الزمان قبل هذا التاريخ، حيث كانت المرجعية الدينية الايرانية تعقد حلفاً مع السلطات السياسية منذ العهد الصفوي أقرب الى صفقة تاريخية متبادلة، حيث يضفي الأخير على السلطات الدينية نوعاً من القدسية، مقابل أن تقوم هي بمنحه تأييداً يكاد يكون مطلقاً.
ولهذا فإن التحدي الذي ترافق مع الحدث الإيراني حيث كان المشهد السائد يوحي بالاستقرار هو اهتزاز صورة وليّ الفقيه، الذي أصبح محطّ جدل ونقاش بين انحيازات لمحمود أحمدي نجاد وتصدّيه للمحتجين، وبين الاصلاحيين لاسيما من جماعة حسين الموسوي حتى وإن كان الطرفان تحت السقف الاسلامي. وهو أمر جدير بالتوقف عنده، خصوصاً وأنه يكاد يكون التحدي الأكبر، فلأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان تواجه ولاية الفقيه أسئلة حتى وإن لم تكن حارقة حتى الآن، لكن فيها الكثير من المعاني والدلالات المستقبلية.
لقد استندت فكرة ولاية الفقيه على حل ديني لحيرة بشرية بعد انقطاع الامامة الاثني عشرية حسب الفقه الشيعي، وذلك منذ "الغيبة الكبرى" للامام المهدي المنتظر "صاحب الزمان"، لكن هذا الحل أصبح قيداً شديداً، لاسيما بعد الدعوة للاصلاحات الدستورية واندلاع المعركة بين المشروطة التي تدعو لتقييد الحاكم بدستور، وبين المستبدة التي روّجت لنظرية المستبد العادل.
وقد كان كاظم الخراساني في إيران أحد أهم دعاة المشروطة التي انقسم علماء الشيعة حولها، بين مؤيد ومعارض، ومن أصحاب هذا الاتجاه الميرزا محمد حسين النائيني مؤلف كتاب "تنبيه الأمة وتنزيه الملّة" الذي استبدل فكرة بولاية الفقيه ولاية الأمة، وهو الأمر الذي ترافق مع بعض دعوات الاصلاح الذي كان لأوروبا فيها تأثير غير قليل، خصوصاً للتيار الاسلامي الاصلاحي الذي تجسد بجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي والتونسي وغيرهم.
ورغم خصوصية الحالة الايرانية، من حيث هي شكل من أشكال النظام الشمولي ولكن بتعددية خاصة وانتخابات وتداولية للسلطة ومجتمع مدني فيه حيوية أكثر من غيره من الأنظمة المشابهة، لكن التعايش الهش والقلق بين التيارين بات وشيك الانحلال أو التمزق، الأمر الذي سيطرح إن آجلاً أم عاجلاً مسألة ولاية الفقيه على بساط البحث، ففي حين سيتمسك بها المحافظون، سيسعى التيار الأصلاحي للتحلل منها تدريجياً، طالما أصبحت تشكل قيداً سميكاً عليه، خصوصاً انحيازاتها المسبقة لصالح خصومه، كما بيّنت ذلك الانتخابات الأخيرة.
لقد أخرجت الانتخابات الأخيرة ما كان خافياً تحت عمامة ولي الفقيه، لاسيما مرجعيته ومستقبل هذه المرجعية في ظل ولاية الأمة على نفسها، فهل سيحسم الصراع بين حكم ينتمي الى الماضي " الغيبة" وبين حكم ينتمي الى الحاضر والمستقبل، خصوصاً إرادة الناخب، التي تمنح الشرعية وليس إرادة ولي الفقيه، الذي هو بشر قد يخطئ وقد يصيب، وإذا ما تدخّل بالشأن العام وانحاز الى طرف على حساب آخر، سيدخل لعبة السياسة، الأمر الذي قد يفقده مرجعيته وحيدته ونزاهته، حيث لم تعد هذه المرجعية مستمدة من إمام غائب أو نائبه، خصوصاً إذا كان فيها شيء من الافتئات على المجتمع وتطلعاته، فالانتخابات شأن دنيوي وبشري وليس شأناً دينياً، يخصّ الامام لوحده بقدر علاقته بالناس ومصالحهم.
ان أهم وأكبر كوابح تطور الحالة الايرانية هو وجود مجلس صيانة الدستور وهيئة تشخيص مصلحة النظام، وهذه التي يتربع فوقها ولي الفقيه، تتقدم على مصلحة الأمة، أي مصلحة مجموع الناخبين، الأمر الذي تقترب فيه فكرة ولي الفقيه من المستبد العادل، طالما كان ضمن تراتبية دينية، ولربما تفوق ذلك بكثير، خصوصاً اضفاء طابع القدسية عليه.
لم يعد الناخب الإيراني في ظل خصوصية الحالة الايرانية، ملزماً بفتوى السيد علي خامنئي "مرشد الجمهورية الاسلامية" أو غيره من المراجع الكبار، وهو أمر أفرزته الانتخابات الأخيرة، حين جعلت الشك بصدقية وبجدوى مثل هذه الفتاوى في ظل الانحيازات المسبقة، ولعل ذلك سيتم تفسيره باعتباره شكلاً من أشكال الاستبداد باسم الدين، الذي لا يمكن لإيران التخلص منه دون التحلل من استبداد ولاية الفقيه، وهو ما سيفرزه الصراع بين التيار المتشدد- الأصولي، وبين التيار الاصلاحي- المجدد، حتى وإن كان جنينياً، ولعل ذلك سيحدد، ليس مسار التيارين وحسب، بل مسار ايران كلّها لاحقاً، في القريب العاجل أو في الاستحقاق الآجل..
() باحث وحقوقي عراقي
"المستقبل"






