رندة حيدر
يمكن إدخال حادثة إلقاء القبض على الشاب الفلسطيني من عرب إسرائيل بتهمة التجسس لمصلحة "حزب الله" وتزويد الحزب معلومات عن تحركات رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكينازي ضمن إطار الحرب السرية الدائرة بين الحزب وإسرائيل، منذ إغتيال القائد العسكري للحزب عماد مغنية.
وتأتي هذه الحادثة في وقت تراجعت فيه ظاهرياً وتيرة التصعيد مع لبنان، بعد فترة من التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات شبه اليومية وتحميل لبنان مسؤولية أي عملية يقوم بها "حزب الله" ضد أهداف داخل إسرائيل وخارجها.
واحتمال إستهداف "حزب الله" مسؤولين إسرائيليين كان موضع دراسة واهتمام بالغين من جانب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على انواعها. وقد وضعت أنظمة من الحماية الشديدة على تحركات المسؤولين، كما وزعت تعليمات صارمة على كل الممثليات الإسرائيلية في الخارج بوجوب إعتماد الحيطة والحذر، ناهيك بالتعليمات الموجهة الى المواطنين الإسرائيليين التي تنصحهم بعدم السفر الى الأماكن التي تشهد تواجداً إسلامياً متطرفاً أو نشاطاً للتنظيمات الأصولية سواء تلك التابعة منها لتنظيم" القاعدة" أو لـ"حزب الله".
لكن رغم كل هذه الإحتياطات شهد الشهر الماضي حادثتين دلّتا على الثغرات التي يعاني منها بصورة خاصة جهاز حماية رئيس الأركان الذي تعرض في غضون أسابيع لحادثة تسلل الى مكتبه من جانب أحد الجنود الذي قام بسرقة مسدس لا يعمل وبطاقات إئتمانية له؛ وحادثة المواطن العربي الذي كان يرتاد النادي الرياضي الذي يرتاده أشكينازي، وإستطاع أن يزود "حزب الله" بمعلومات مهمة عن تحركات رئيس الأركان.
لكن الموضوع الأكثر اهمية ليس عدم فاعلية جهاز الحماية التابع لرئيس الأركان، وهو الموضوع الذي تركز عليه وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ وإنما حقيقة أن "حزب الله" هذه المرة إستطاع أن يقترب جداً من احد أهم الرؤوس الكبيرة في القيادة العسكرية الإسرائيلية من دون خوف أو وجل. وإذا كانت أجهزة الأمن الإسرائيلية لا سيما جهاز "الشَباك" تتباهى بقدراتها الاستخبارية وسط عرب إسرائيل التي سمحت لها الكشف عن نشاط المواطن العربي؛ فإن هذا لا يستطيع ان يغطي فداحة ما حدث وخطورته (من الزاوية الاسرائيلية).
لطالما كانت الأقلية العربية في إسرائيل موضع شبهة دائمة وإتهام بالتواطؤ مع أخصام إسرائيل. وكان دائماً يُنظر إليهم من جانب الإسرائيليين بصفتهم "طابوراً خامساً"، لا سيما بعد أن فشلت كل المساعي الإسرائيلية لـ"أسرلتهم" ودفعهم الى التنازل عن هويتهم. ونضال عرب 1948 من أجل المحافظة على هويتهم الفلسطينية طويل ومرير رغم كل الإجراءات التي مارستها إسرائيل في حقهم، فلا غرابة أن يتحول جزء من هؤلاء الى أعداء للدولة العبرية وأن يتعاونوا مع أخصامها. لقد شهدنا في الأعوام الماضية عدداً من الحوادث التي أُتهم بها عرب من سكان إسرائيل بالتعاون مع "حزب الله" الذي لطالما سعى الى ايجاد قنوات للإتصال والتعاون معهم. ويشير أحد المعلقين الإسرائيليين الى الإرتفاع الجوهري الذي طرأ خلال الأعوام الأخيرة على نشاط "حزب الله" في صفوف عرب إسرائيل وفي الضفة الغربية، إذ موّل نحو 70 في المئة من خلايا "فتح" وكل خلايا "الجهاد الإسلامي". ويصف تصاعد نفوذ "حزب الله" وسط عرب إسرائيل بـ"الخطر الإستراتيجي"، الأمر الذي من شأنه أن يغذي الحملة المسعورة التي يقودها اليمين في إسرائيل ضد العرب هناك.
قد تكون حادثة التجسس الأخيرة لمصلحة "حزب الله" بين عرب إسرائيل هي الأهم على الإطلاق. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما الذي جعل "حزب الله" يتأخر في اتخاذ قراره شن عملية ضد أشكينازي على الرغم من وفرة المعلومات التي كانت في حوزته واقترابه الى هذا الحد من الهدف؟ هل الأسباب لوجيستية أم أن تخوف الحزب من رد إسرائيلي إنتقامي على لبنان هو ايضاً من بين الدوافع التي أخّرت العملية؟
"النهار"






