"دولة فيديرالية في إسرائيل فلسطين" لشبلي ملاط ومحمد أبو ردينة وشرحبيل الزعيم، (“قضايا النهار"، 24 / 8 / 2009)؛ تدريب ذهني منعش للتفكير والخيال معا. غني عن الذكر أن المسائل الخلافية، ومن ضمنها بل على رأسها النزاعات السياسية والصراعات، لا تحلها ولا حتى في أضيق هوامشها السجالات الفكرية، حتى لو تسلح طرف فيها بقدرة طاغية على الإقناع. فالمسائل الخلافية؛ من أبسطها إلى أعقدها ومن أقلها أهمية إلى أكثرها حيوية، محكومة حتما بما يستند إليه أطرافها من عناصر قوة تشكل أمرها الواقع. يبدو هذا التقرير معاديا لما هو رائج حول مبدأ الحوار وضرورته. الحوار ضروري ومفيد، نعم. لكن في حدود قدرته على توضيح المسألة التي يتناولها وكفاءته في توفير رأي عام إلى جانب وجهة نظر أو أخرى، ولا حاجة إلى قول إنّ الرأي العام واحد من عناصر قوة الأمر الواقع، دون أن تجوز المبالغة لا في وزنه ولا في تأثيره.
الآن، عندنا، يُطرح الحوار كأنه بديل كافٍ من بذل الجهد لاكتساب عناصر القوة التي من شأنها تبديل نوع العلاقة مع الطرف الآخر العدو.
حتى عندما نفكر في عناصر القوة، نفكر فيها دون خيال، فلا نفكر إلا في القوة العضلية أي العسكرية. لا نفكر أن منها قوة العلم والصناعة، وقوة تماسك المجتمع، وقوة القدرة على المبادرة، وقوة ما نشهده من قدره على المناورة؛ سواء بخلق "الوقائع على الأرض" في فترات الاسترخاء ( التي هي فترات تسليمنا بأن الصراع في طريقه إلى الحل واطمئناننا إلى ذلك، مثل ما حدث في أعقاب اتفاقات أوسلو) أو قدرتها على "تفريع" المسائل على نحو يؤدي إلى تفتيتها كما حدث بشأن الاتفاق على إنتقال السلطة الأمنية في الأراضي الفلسطينية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، والذي ولَّدت منه إسرائيل سلسلة من الاتفاقات لم تصل بعد إلى حلقتها الأخيرة؛ بدءاً بذلك الذي قسّم تلك الأراضي فئات ثلاث، كل فئة منها يحكمها اتفاق خاص قادر على التوالد بالنمط نفسه.
ومن معاني هذا أننا لا نحلل عناصر قوة العدو. ونستريح إلى أن نعزوها إلى العوامل الخارجية: ليس بدءاً بتاريخ العداء الأوروبي لنا ولا انتهاءً بدعم القوى الدولية لإسرائيل. وربما لا يخطر على بالنا أن ثمة "قوة إسرائيلية ذاتية" تستجلب العون الخارجي. قوة إسرائيلية ذاتية، يقوم مثالا عليها في التاريخ القريب، ما رأته الولايات المتحدة في قدرة إسرائيل في 1956 على الدخول في تحالف عسكري ظرفي وموضعي مع اثنتين من القوى الكبرى وأداء دورها فيه بنجاح. أدى ذلك الإدراك الأميركي – اللاحق للوقائع – إلى انقلاب في نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل ؛ انقلاب حوّلها في حسابات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط من عبء إلى رصيد.
ثم إن فكرة الحل الفيديرالي في فلسطين ليست جديدة، ففي وثائق الأمم المتحدة أن المرحوم كميل شمعون بصفته وزير خارجية لبنان، وزع على أعضاء مجلس الأمن الدولي في مطلع 1948، مشروع قرار يدعو إلى أن تقوم في فلسطين دولة فيديرالية بين العرب واليهود. لم يصل المشروع إلى مرحلة المداولات شبه الرسمية لأن ما كان مجلس الأمن بصدده هو بحث ما يمكن عمله لتنفيذ توصية الجمعية العمومية للمنظمة الدولية التي دعت الى تقسيم فلسطين، وحيث كانت المنظمة قد أوفدت إليها بعثة للعمل على تنفيذ تلك التوصية.
كما أن فكرة الفيديرالية في فلسطين وردت في زمن أحدث، في خضم موجة التفاؤل غير المؤسس على وقائع التي حملها مؤتمر مدريد في مطلع تسعينات القرن الماضي. آنذاك تحدث عن إمكان الحل الفيديرالي شخصان مهمان، ويفترض أن كلا منهما كان متمكنا في جانبه: ياسر عرفات عن الفلسطينيين وعموم العرب وشمعون بيريس عن إسرائيل وعموم الحركة الصهيونية العالمية. لكن هذا ذهب أدراج الرياح وطواه النسيان على رغم ما كان مركز كل من الرجلين يحمله من افتراض التمكن. لماذا؟ لأن أيا من المتحدثين لم يُتبِع كلامه بخطة عمل تتسلمها هيئات ومؤسسات مكلفة بدراسة الإمكان الواقعي لتحقيقه. في خلفية دماغ كل منهما، كانت أمور أخرى. يمكن باطمئنان افتراض أن بيريس كان (ولا يزال) أسيرا للحلم الصهيوني ب"وطن قومي يهودي" حصرا. كما يمكن باطمئنان أيضا افتراض أن عرفات كان بقي حتى وفاته، أسير حلم "الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس [الشرقية]" وهو ، طبعا ، رئيسها الأول والمؤسس، هكذا كان يرى موقعه المأمول في كتاب التاريخ.
كما أن في تاريخ حركة "فتح" التي قادها عرفات من قبل أن تطفو إلى العلانية على أمواج المد الذي احدثته معركة الكرامة في 1968، في التاريخ اللاحق لتلك الحركة، أنها تبنت في خطاب ألقاه الدكتور نبيل شعث، رئيس وفدها إلى"مؤتمر نصرة الشعوب العربية" الذي انعقد في القاهرة في مطلع 1969، دعوة إلى أن "تقوم في فلسطين دولة علمانية ديموقراطية، يعيش فيها العرب واليهود على قدم المساواة." وكان كاتب هذه السطور هو من كتب نص الخطاب مستندا إلى التوصية الثالثة للجنة البريطانية – الأميركية التي "حققت" في المسألة الفلسطينية وثائقيا وميدانيا في 1946، والتي استمدت توصيتها من شهادة القائد النقابي الفلسطيني سامي طه أمامها.
بعد أن احدثت "مبادرة الدولة الديموقراطية العلمانية" – كما عرفت إعلاميا – رد فعل يقارب الزلزال الإعلامي، انداحت وطمرها النسيان. مرة أخرى، لماذا؟ ومرة أخرى، للسبب نفسه؛ لم يهتم أصحاب المبادرة بإختبار إمكان تحقيقها، ناهيك عن تزويدها بمحركات تدفع بها إلى جدل يتصل بممكنات إدخالها ضمن وقائع الصراع.
ليس القصد من ذكر ذلك التقليل من شأن اقتراح ملاط – أبو ردينة – الزعيم، بل القصد هو تنبيه الرأي العام إلى الحقيقة المشهودة على مدى التاريخ حقيقة أن الإقناع ليس من أهداف الجدل حول المنازعات. إنما العبرة هي استحداث الآليات القادرة على التأثير في ميزان القوى بين أطرافها.
فلو أن ملاط أبو ردينة الزعيم، "اكملوا جميلهم" بتحدي نتنياهو أن يفسح في المجال أمام مؤرخين إسرائيليين لأن يلتحقوا بنظراء لهم، فلسطينيين، في جهد مثابر ودؤوب مرماه التوصل إلى "تاريخ واحد" لفلسطين منذ بدء الصراع على مصيرها بين العرب والحركة الصهيونية، وأن يفرج عن الوثائق جميعا، حتى أكثرها حساسية وسرية، على أن يلتزم الفلسطينيون والعرب وغير أولئك وهؤلاء من القوى الدولية بالتزام مطابق، لكانت مبادرتهم، وهي اقتراح حد أدنى، محركة فعلا للتفكير والخيال، لا مجرد منعشة لهما. بل ربما أصبحت محركة لأحداث. فالاتفاق على تاريخ واحد يعني التأسيس لحل يسنده التاريخ ماضيه وآتيه المأمول.
(صحافي وكاتب مصري)
"النهار"






