حتى الآن، لم تثمر مساعي احتواء الأزمة بين دمشق وبغداد. بل أن المشكلة مازالت تتفاقم. خطابها تزداد سخونته، يوماً بعد يوم. مفرداته وتلويحاته، تثيران المخاوف من احتمال الانزلاق إلى نقطة اللاعودة. بذلك هي تدخل طور التصعيد المفتوح على ما يهدّد العلاقات بينهما. كما يهدّد برفع درجة التأزم في المنطقة؛ المرتفعة أصلاً. ما هو على المحك، كبير وخطير.
الوساطات الجارية لم تفلح لغاية هذه اللحظة حتى في وقف التدهور الذي تسارعت فصوله في أعقاب التفجيرات الأخيرة في العراق. من التلويح بمحكمة دولية إلى استدعاء السفراء ثم إلى التحذير من تخريب العلاقات ومن اتخاذ إجراءات إضافية في سياق التسخين المتبادل والمتواصل.
الإصرار على اتهامات، يقابله تشديد على وجوب تقديم الأدلة الدامغة. حلقة تعذّر كسرها حتى اللحظة. المساعي والجهود المختلفة متواصلة. لكن بموازاتها، التصعيد متواصل هو الآخر. مما يزيد من التعقيد وصعوبة العثور على المخرج. صار عامل الوقت أساسياً.
حسب الجامعة العربية، ستكون الأزمة على رأس جدول الأعمال المقبل لمجلس الجامعة، على مستوى وزراء الخارجية، في التاسع من الجاري. إعطاؤها الأولوية، يتناسب مع خطورتها. لكن إذا بقي التعنيف بهذه الوتيرة، فقد تصبح مهمة المجلس أصعب. اليوم أفضل من الغد. حدّة التراشق قد لا تترك، بعد أيام، نفس الفسحة المتوفرة الآن. على الأقل مازال التصعيد مقصوراً على الخطاب. في حال انتقل إلى دائرة الإجراء والرد المضاد، عندئذ يكون المحظور قد وقع.
ولن تكون معالجته ميسورة في الأمد المنظور. التجارب تقول انه عندما يحصل كسر في العلاقات العربية، يقتضيه دهر لتجاوزه. وملف الخلافات والعلاقات المنكسرة، مثقل بالحمولة. لا يحتاج إلى المزيد. لكن بالرغم من ضرورة وأهمية تحرك عربي فعّال وعاجل، في هذا الخصوص؛ يبقى أن العودة عن حافة الهاوية؛ لا تتحقق إلاّ على أيادي الطرفين المعنيين؛ أولاً وأخيراً.
التخاطب عبر الوسطاء، في ظلّ حالة من القطيعة بينهما يرافقها تقاذف متبادل عبر وسائل الإعلام، لا يؤدي سوى إلى تعميق الهوة. بغضّ النظر عن جدارة هذا الموقف أو ذاك. مجريات الأيام القليلة الماضية، تؤكد ذلك.
مرّ على الأزمة أكثر من أسبوعين. حرارتها ارتفعت بما فيه الكفاية. باتت تهدّد بالغليان.
لا تحتمل مرور المزيد من الوقت، وهي على هذه الحال. المفاتحة وحرب الاتهامات من وراء الميكروفون، زادت من حدّة تفجيرها. حانت لحظة اعتماد مقاربة أخرى. تبريد الخطاب، خطوة أولى، تمهيداً لمواجهة الملف من الباب المباشر، العلني والصريح. في ذلك مصلحة لبغداد كما لدمشق. ظروف المحيط المعروفة تنطق بذلك.






