من اللافت حسب المعلومات الواردة من بغداد ان لا يكون الموقف العراقي الرسمي الاتهامي لسوريا موضع اتفاق بين اركان الدولة العراقية، وتحديدا بين بعض الاركان الاساسيين الشيعة. فالموقف المختلف لنائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي الذي ينتقد "التصريحات التصعيدية" الصادرة عن رئيس الوزراء نوري المالكي والتي اتهمت سوريا بايواء الذين يديرون عمليات التفجير في بغداد، يعني ان الازمة الراهنة في العلاقات السورية – العراقية هي تحديدا في التقاطعات السياسية العراقية الراهنة ازمة بين نوري المالكي وفريقه الشيعي في الحكم وبين سوريا وليست ازمة بين كل الدولة العراقية والدولة السورية.
هل اتخذ المالكي هذا الوضع الهجومي انطلاقا من اعتباره انه بات يمثل "الامن العراقي" في المعادلة السياسية الحالية في العراق واي مساس بهذا الامن هو اضعاف لموقعه السياسي اكثر من اي شخص آخر… فذهب بعيدا في اتهام سوريا العلني محاولا الاستفادة من اجواء الضغط الدولي عليها ومجازفا بتحميلها وحدها مسؤولية "ايواء الارهابيين" وهي التهمة القصوى التي تعرضت لها دمشق ولم تبلغ حد اتهامها المباشر بالضلوع في العمليات التفجيرية؟ ثم السؤال الآخر المرتبط هو: هل المالكي الذي وقع تحت ضغط قيام ائتلاف واسع ضده من القوى الشيعية وبعض السنية الاساسية تحضيرا للانتخابات المقبلة يشعر ان القيادة السورية تدعم هذا الإئتلاف بما يشكل خطرا على مصيره السياسي لانه يضم تيارات اساسية، بل التيارات الاساسية في الكتلة السياسية النافذة في الدولة العراقية: المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بقيادة آل الحكيم والصدريون وجناح رئيس الوزراء السابق الجعفري في "حزب الدعوة" وغيرهم الذي اعلن عنه قبل فترة؟
صحيح ان "المركز الشيعي" في الدولة العراقية الجديدة اصبح محوريا بشكل نهائي، غير ان النظام السياسي العراقي لا زال آخذا بالتشكل ولن تتضح صورة العلاقات الدولتية بين مكوناته الطائفية والقومية قبل الخروج النهائي للوجود العسكري الاميركي سواء في العلاقات العربية – الكردية او في العلاقات بين السنة والشيعة.
وبمعزل عما اذا كان هذا النظام الجديد سينجح في بناء دولة متماسكة حتى ببنيته الفيديرالية – التي تأخذ الآن شكل "فرصة تفككية" في الممارسة والفهم الكرديين لها – فان احدى السمات الاساسية الحالية لهذا النظام هو "لبننته"، بمعنى قدرة شرائحه السياسية على بناء علاقات خارجية "مستقلة" عن الدولة، او ليست متماثلة مع علاقات الدولة… لا بل في الحالة الكردية هناك "دويلة" واقعية قائمة بذاتها، ليس كما كان بين 1991 و2003 اي مناطق مقتطعة بمحض القوة العسكرية الخارجية رغما عن الدولة المركزية بل عبر "اقليم" يتمتع بشخصية دستورية يمط صلاحياتها المختلف عليها الى حد توقيع اتفاقات خارجية واعطاء استثمارات اجنبية… واربيل حاليا، كعاصمة للاقليم الكردي هي احدى المدن الجاذبة لرجال الاعمال من كل حدب وصوب.
في هذا "الجو" يأتي عدم الاتفاق بين الاجنحة الشيعية في الطبقة السياسية العراقية حيال العلاقات مع سوريا. فهل ارتكب رئيس الوزراء المالكي خطأ "التفرد" في دفع الدولة العراقية الى مواجهة ديبلوماسية دون تأمين توافق جدي على سياسته في موضوع بهذه الحساسية والدقة (ولا نريد الحديث هنا كيف نأى الرئيس العراقي "الكردي" جلال طالباني بنفسه عن الازمة مع سوريا عبر تصريحات غير واضحة).
•••
لا شك ان هذه الازمة العراقية – السورية الى تراجع ليس فقط بسبب الوساطات المهمة التي قامت بها القوتان الاقليميتان الكبيرتان تركيا وايران، بل ايضا على المدى الابعد بسبب الطبيعة المعقدة التي يولد عبرها تدريجيا النظام الاقليمي الجديد في المنطقة… وهو نظام رغم وراثته للعديد من تقاليد وآليات النظام الاقليمي العربي بعد الحرب العالمية الثانية والمشدود الى الصراع مع اسرائيل، فانه "نظام مشرقي" او نظام آسيوي مشرقي اكثر من كونه آسيويا – افريقيا كما تجسده الجامعة العربية وستظل هذه الجامعة فاعلة فيه بصورة من الصور.
العراق الجديد، وبالتالي علاقته الجديدة مع سوريا ترتسم في اطار باتت تلعب فيه تركيا وايران دورا "داخليا" في المنطقة. لا يمكن الحديث هنا عن شخصية مكتملة طبعا لهذا النظام الاقليمي الجديد في ظل عدم اتضاح امرين اساسيين:
1 – مصير الصراع العربي – الاسرائيلي.
2 – مصير العلاقات الايرانية مع الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الاميركية. اي باختصار: موقع ايران في النظام العالمي؟
لكنه في الوقت نفسه نظام علاقات اقليمية جديدة ومتبلورة لا رجوع عنها وإن كان لا وضوح للنقطة التي ستستقر عندها. فالصراع – وبالتالي المساومة – مع ايران ليست على نفوذها الاقليمي ولكن على نوع امكاناتها النووية، وتركيا النمر الاقتصادي السياسي الصاعد فعلا يتكرس اكثر فاكثر ليس كقوة تأثير اقتصادية فحسب بل كقوة استقرار ضرورية للمنطقة، ودورها العراقي في هذا السياق اساسي حتى لو لم يستند بوضوح الى قوة داخلية كبيرة (غير التركمان) من المكونات العراقية كما هي الحالة الايرانية مع الشيعة. وفي تركيا هناك مخططون استراتيجيون في المؤسسات الاساسية التركية يدعون اكراد العراق الى ان يكونوا "الورقة التركية" في العراق اذا نجحوا في منع اللعب الكردي الآخر، اي "حزب العمال" (PKK) بالوضع الداخلي التركي! والرد الحالي في اربيل هو المزيد من تشجيع الاستثمارات التركية لكن دون جهود كافية في الموضوع الآخر.
في هذه المنطقة "الجديدة" يبدو افق العلاقات بين العراق وسوريا افقا ايجابيا… لا بل ربما، قد يكون من المثير الآن، توقع انه سينشأ نوع من التحالف بينهما على المدى الابعد يحتمه تشكل علاقات النظام الاقليمي…
… الجديد وغير المكتمل…
(alkadaya@hotmail.com)
"النهار"






