ينبغي أن نميّز بدايةً بين الحكمة (sophia) وبين الفلسفة (philosophia)، علمًا أن هذه المفردة صيغت انطلاقًا من المفردتين philos و sophia فصارت philos sophias أي ما يعني حرفيًا في اللسان اليوناني: صديق الحكمة. ذلك لأن الفلاسفة الأوائل حتى أفلاطون اعتبروا أن الحكمة قصرٌ على الآلهة، وأنّ أقصى ما بوسع المرء فعله في هذا المجال هو أن يصادق الحكمة ويطلب مقاربتها، على غرار مقاربة الذكر للأنثى، بدليل ما ورد على لسان أفلاطون في محاورة "المنادمة أو في إيروس" وهو إله الحب عند اليونان الأقدمين: "من الضروري أن يكون إيروس Eros فيلسوفًا (204 ب). لكن لماذا حملَ كتاب رَسِل العنوان "حكمة الغرب" (Wisdom of the West) ولم يحمل بالأحرى العنوان "فلسفة الغرب"؟ لعلّه اعتبرَ أن من الحكمة أيضًا ان نرغب في الحكمة ونعشقها، أي أن نتفلسف. أما البشر، فمنهم مَن لا يدرك جهله فيعتبر حاله حكيما وهو المغرور والمدعي، ومنهم مَن يدرك جهله لكنه لا يقوم بأي عمل للخروج منه وهو المستسلم الكسول القابع في جهله والقانع به، ومنهم أخيرا مَن يدرك جهله لكنه يودّ الخروج منه مهما كلف الأمر فييمم شطر الحكمة ويروح ينهل من ينابيع "المعرفة البهيجة" (نيتشيه) وهو الفيلسوف والحكيم.
على صعيدٍ آخر، يفند الدكتور فؤاد زكريا في "مقدّمة المترجم" التمييز الذي أقامه رَسِل بين حكمة الغرب المرتبطة بالعلم وحكمة الشرق القائمة على التأمل. يرى زكريا عن حق أن هذا الحكم إنما ينطبق على حضارات الشرق الأقصى، كالحضارة الهندية والصينية وخلافهما، وليس على حضارات الشرق الأوسط، بدليل التداخل والتفاعل، والتأثير والتأثر بين الغرب والمنطقة التي نعيش فيها. السؤال: مَن قطع الجغرافيا وفصل التاريخ على نحوٍ قطع فيه أوروبا (وهي في أساس ما ندعوه اليوم "الغرب") عن الشرق الأوسط وفصلها عنه، وهو الشرق الذي سماها أوروبا وساهم في إرساء هويتها من حيث إنها كانت ولما تزل هي هي (المسيحية) كما من حيث انها كانت ولما تزل مختلفة عما ليس هي هي (الإسلام)؟ بل مَن رسمَ الحدود الشرقية لأوروبا في بلاد الإغريق؟ يحضرني ههنا التعليل الذي يقدمه الرئيس الفرنسي ساركوزي في معرض رفضه انضمام تركيا العَلمانيّة (وهي العَلمانية التي قامت على الخروج من الإسلام) إلى الاتحاد الأوروبي، أي إلى أوروبا العَلمانية، أو بالأحرى إلى "النادي المسيحي" (وهي العَلمانية التي قامت على الخروج من المسيحية ثم عليها، وهذا الأمر يعني بالنسبة إلينا أنها عَلمانيّة ذات طابع مسيحي بين)، ومفاد هذا التعليل أن تركيا تقع في آسيا الصغرى! ألا يعرف الرئيس ساركوزي أن العقل الفلسفي الذي يقولون إنه يميّز أوروبا من غيرها قد نشأ في مستعمرة مِلَطية اليونانية الواقعة في آسيا الصغرى، في بداية القرن السادس قبل الميلاد، ثم انتقل إلى جنوب إيطاليا، ومنها إلى أثينا، ثم إلى روما، ومنها إلى أوروبّا مرورا بديار الإسلام وضمنها الأندلس وبلاد فارس؟
وما لم يقله الدكتور زكريّا بخصوص ارتباط الفلسفة الغربية بالتيولوجيا المسيحية، ثم بالعلم والتقنية الغربيين، أن هذا الارتباط أودى بالفلسفة وكاد أن يوصلها إلى خواتيمها… غير السعيدة في صدد هذا الأمر، يقول هايدغر إن الفلسفة اضطرت، منذ أفلاطون وأرسطو، إلى أن تبرر وجودها في مواجهة العلوم. بل إنها اعتبرت أحيانًا أنها تحقق غرضها حين ترقى إلى مصف العلم. ويضيف هايدغر أن الخشية من فقدان اعتبارها وصلاحيّتها تطاردها إن لم تكن علمًا. ويخلص من ذلك إلى مقابلة هذا الإجراء (الإجراء الذي يود ربط الفلسفة بالعلم من طريق اعتبارها مثلاً "علمًا صارمًا، على ما كان قد رأى هوسّرل) بذلك الذي يسعى إلى تقدير ماهية السمك وطاقته قياسًا على قدرته على العيش على الجاف من الأرض!
وعن الموضوعيّة في الفكر الفلسفي، لا بدّ من الرجوع إلى هوسرل والتشديد على تلازم الذات (sub-jectum) والموضوع (ob-jectum) في ما صار يعرف بـ"قصديّة الوعي". فالموضوع هو ما وضعَ أمام العقل، أي أمام الذات المدركة والمفكرة. لذا ينبغي التمييز بين الموضوع، أي ما ظهر من الأمر المطلوب معرفته للحواس والتفكر، وبين الواقع، أي ما كانه هذا الأمر في ذاته. وعليه، فالموضوعية الخالصة، أي الوقوف على الواقع وحقيقة الأمور، تبقى مثالاً ينظر إليه الفيلسوف وينشده، علمًا أنه يدرك جيدًا أنه لن يبلغه البتة. وفي النهاية، لم يبقَ لنا إلا أن نتشارك في رؤيتنا إلى الواقع من طريق ما دعاه هابرماس (Habermas) وأبّل (Apel) "أخلاقيّات النقاش"، على قاعدة اللسان البشري الذي من المفترض أن يجمعنا وينسج علاقتنا المشتركة بالحقيقة.
[الكاتب: برتراند رَسِلْ Bertrand Russell
[الكتاب: "حكمة الغرب، الفلسفة الحديثة والمعاصرة"
[ترجمة: د. فؤاد زكريا
[عالم المعرفة، الجزء الثاني، الطبعة الثانية تمّوز (يوليو) 2009، الكويت، رقم 365، 274 صفحة.
[ منشورات المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت.
"المستقبل"






