فيما تشير التقارير الدولية إلى تجاوز عدد فقراء العالم المليار، ما استدعى تخصيص قمة الثماني هذا العام، 20 مليار دولار لمكافحة ظاهرة الفقر، ظل الفقراء يتزايدون حتى قارب عددهم ثلث أفراد المجتمع، في وقت يعاني معظم البلدان العربية اشكالية الأمن الغذائي بمستويات مختلفة، ولا سيما بالنسبة إلى السلع الغذائية الرئيسية مثل الحبوب، ما تطلب توفير قدر مناسب من المعونات الغذائية.
في هذا الإطار يقدّم كتاب سالم توفيق النجفي "الأمن الغذائي العربي، مقاربات إلى صناعة الجوع" مركز دراسات الوحدة العربية، 2009 بحثاً موضوعياً في ظاهرة الفقر والجوع وخلفياتهما الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم العربي، وتصوراً لتجاوزهما باتجاه واقع اجتماعي عربي أكثر انسجاماً وأقل تعرضاً للصدمات والأزمات التي تهدّد الأمن السياسي والاجتماعي العربي.
يحدّد المؤلف الفقر بعدم القدرة على تحقيق مستوى معين من المعيشة يمثل الحد الأدنى المقبول في مجتمع ما في فترة زمنية محدّدة، ما قد يقود إلى الجوع الذي يشير إلى افتقار الأفراد والأسر إلى الأمن الغذائي فترة طويلة من الزمن، بسبب الجفاف او الحروب أو نتيجة التباين الواسع في توزيع الدخل.
بهذا المفهوم شهد مطلع الألفية الثالثة حالات من الجفاف في بعض أقاليم الوطن العربي، رافقتها عوامل وسياسات اقتصادية داخلية وسياسات اقتصادية خارجية ضاغطة، أدت إلى تأصيل العوامل المولدة للفقر والجوع في غير قطر عربي، وهي عوامل مختلفة بيئية واجتماعية وسياسية.
على المستوى البيئي لا تستأثر حماية البيئة باهتمام بعض البلدان العربية ولا سيما المنخفضة الدخل، حيث جاء ترتيب موريتانيا في دليل الأداء البيئي في المرتبة 146 واليمن 139 والعراق 135 والسودان 129 وسوريا 99 وعمان 91 والمغرب 82، ما أظهر عدم قدرة هذه البلدان على التحكم في المتغيرات المؤدية إلى استنزاف البيئة وأثر ذلك على الأمن الغذائي.
ويعاني العالم العربي من الضآلة النسبية للاراضي الزراعية التي يمكن التحكم في اروائها فعلى الرغم من سعة مورد الأرض الذي قدر بنحو 67,4 مليون هكتار، لا تتجاوز الأرض التي يمكن التحكم في اروائها 24,5 في المئة من هذه المساحة، في حين تزيد الزراعة المطرية على 53 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية.
فضلاً عن ذلك لا تساهم قوى العمل الزراعي في الاقليم الأوسط.. مصر، السودان، الصومال، جيبوتي.. حيث تزيد قوى العمل الزراعي على 55,8 في المئة من مجمل القوى العربية العاملة، الا بما نسبته 31,5 في المئة من مجمل الانتاج الزراعي العربي. ويعود هذا الانخفاض في الناتج الزراعي الى انخفاض انتاجية العمل الزراعي في الإقليم المذكور حيث لم تتجاوز عام 2003، 261,9 دولاراً في مصر و921,8 دولاراً في السودان و242,9 دولاراً في الصومال و70,9 دولاراً في جيبوتي.
الأمر الذي انعكس في الفجوة الغذائية الكبرى وانعكاسها على ظاهرتي الفقر والجوع في العالم العربي، نتيجة تزايد اسعار الغذاء، حيث ارتفعت اسعار السلع الغذائية 10 في المئة غاية القرن الماضي. وتشير التقارير الى العجز الهائل في الميزان التجاري الغذائي العربي وتفاقمه التصاعدي من 18813 مليون دولار عام 1990 الى 23499 مليون عام 2000 إلى 27436 مليون دولار عام 2004، وإلى ان واحداً من رغيفي الخبز اللذين يتناولهما الفرد العربي مستورد من حيث مكوناته في العديد من سنوات العقدين الماضيين.
وعلى المستوى الاجتماعي يعد التفاوت واللامساواة الاجتماعيان المتفاقمان منذ أواسط القرن الماضي، من الأسباب الرئيسة لظاهرتي الفقر والجوع في العالم المعاصر وفي العالم العربي بالذات. فقد دلت الاحصاءات إلى ان العالم سار باتجاه تزايد التفاوت في توزيع الدخل منذ اواسط القرن الماضي، اذا كانت حصة مجموعة البلدان الغنية التي كانت تشكل 18 في المئة من اجمالي سكان العالم عام 1949 ، 67 في المئة من اجمالي الدخل العالمي. وقد تراجع سكان هذه المجموعة الى 14,8 في المئة من سكان العالم عام 1999 بينما ارتفعت حصتها من الدخل الى 79 في المئة. اما مجموعة البلدان المنخفضة الدخل، التي كانت تشكل 66 في المئة من السكان وكان دخلها 15 في المئة من الناتج العالمي عام 1949 فقد انخفض نصيبها من الدخل الى 3, 3 في المئة عام 1999.
ويعاني العالم العربي بدوره من ظاهرة اللامساواة اذ تبين أن أفقر أفراد المجتمع العربي وتضمهم احدى عشرة دولة عربية يزيد سكانها على ثلاثة أرباع العرب، يراوح نصيبهم من الدخل الوطني بين 5,1 في المئة من عمان و7 و8 في المئة في مصر. في حين أن نصيب أغنى 20 في المئة من سكان هذه الدول يراوح بين 47,6 في المئة في عمان و41,09 في المئة في مصر، الأمر الذي يشير الى تواضع القدرة الشرائية لأفقر 20 في المئة من المجتمع العربي.
وثمة علاقة قوية وثابتة بين ظاهرتي الفقر والجوع وفساد الأنظمة واستبدادها، إذ ان فساد الأنظمة الاقتصادية وتمركزها عند فئات محددة يقود إلى تنامي الفقر والجوع وتهديد الأمن الغذائي، ويقلّل من القدرة على مواجهة الصدمات. وقد أكدت التقارير الدولية ان الفساد قد ساد معظم البلدان العربية، حيث راوحت مراتب الفساد عام 2005 بين الامارات العربية المتحدة 31 والعراق 160.
يرى المؤلف ان تجاوز هذه الاشكالات الكبرى التي تهدد باستمرار وتفاقم ظاهرتي الفقر والجوع في العالم العربي، رهن بـ أ تحديد قدر مرض من التجانس في الفلسفة الاقتصادية الاجتماعية في ما بين البلدان العربية. ب الحد من الانفاق على التسلح وأجهزة امن الأنظمة.
ج مكافحة الفساد والاستبداد واشاعة أجواء الحرية الحقيقية والسعي الى الحكم الصالح. د الاستفادة من تجارب الدول النامية في الاصلاح الاقتصادي. هـ – استخدام التقنيات الحديثة سواء الميكانيكية أو البيولوجية او الكيميائية. و- استطلاع الأراضي الزراعية والعمل على منع التصحر. ز التكامل بين المنظورين القومي والقطري. ح تقليص ظاهرة الهجرة العربية من الريف الى المدينة وتطوير مؤسسات المجتمع المدني في الريف العربي، وخفض الفقر الريفي من خلال شبكة الأمان الاجتماعي.
في نظرة اجمالية يمكن القول إن المؤلف قد قدّم اضاءه موضوعية مشفوعة باحصاءات دقيقة على الأمن الغذائي العربي المهدد، وعلى ظاهرة الفقر التي تنذر في حال استمرارها على النحو التصاعدي إياه، بعواقب وخيمة على مستقبل الأمن الاجتماعي العربي برمته. إلا أنه لا يمكن التغاضي عن التكرار الملفت والتشوش المنهجي واللغوي اللذين شابا الكتاب، فضلاً عن تواضع النتائج التي انتهى اليها والتي لا تضيف كثيراً الى ابحاث ودراسات سابقة في ظاهرة الفقر في العالم العربي، بما يوحي بأن الكتاب قد صيغ على عجالة فيما كان الأجدى أن يذهب البحث الى القاع التاريخي للبنى الاقتصادية والسوسيولوجية والسياسية العربية التي أفرزت التخلف المتمادي والتناقضات المهلكة التي تنخر في الأمة العربية من داخلها، والتي شكلّت على الدوام عقبة كأداء امام التحول الإصلاحي العربي.
[ سالم توفيق النجفي
[ الأمن الغذائي العربي، مقاربات إلى صناعة الجوع
[ بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009
[ 270 صفحة
"المستقبل"






