أين اليسار المصري؟ سؤال يردده الكثيرون على الساحة السياسية في مصر والوطن العــربي، ويــطرح التساؤل في إطار إما تأكيد انتهاء دور اليسار، أو التحسر عــلى غيابه منطلقين من غياب الأحــزاب اليســارية الشــرعية عن الساحة المصــرية، وقلة عدد النـواب والممــثلين السيـاسيين له، بل خفوت صوته الثقافي في وسائــل الإعلام الرســمية. إلا أن من يريد أن يقيم دور وفاعلية اليســار المصـري واقعياً، فعليه الرجوع إلى دوره في الحركات الاحتجاجية التي أصبحت ظاهرة منتشرة وهامة في مصر في السنوات العشر الأخيرة، حيث الموقع الحقيقي لليسار الذي يجـب على أسسه تقييم دوره.
ويمكننا هنا تحديد ثلاث حــركات هامـة أســسها اليسار خلال تلك الفترة وهي اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، والمجموعة المصرية لمناهضة العـولمة والمعروفة باسم أجيج، وحركة 20 مارس للتغـيير. يجـمع الحركات الثلاث الكثير من السمــات المشــتركة، على رأســها أنها جميعاً تأسـست كرد فعل على الســياسات الاستــعمارية تجاه المنطقة العــربية، سواء مباشرة كالعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلــسطيني أو الحـرب الأميــركية على العراق، أو غير مباشر كالسياســات الاستعـمارية الجديدة للعولمة، ولكـن من الجــدير بالذكر أن تلك الحــركات استــغلت العامل الخارجي كمدخل لاحتجاج على أوضاع داخلية أو سياسات قائمة. فاللجنة الشــعبية لدعم الشــعب الفلسطيني انطلقت مع انتفاضة الثــانية للشـعب الفلسطيني في العام 2000، حيث شـكلت القــضية الفلسطيـنية دائــماً هماً وجزءاً لا يتــجزأ من القــضية الوطنية المصرية بالنسبة لتيارات اليـسار المصري، من ناحيتين: أولاً رفض اليــسار المـصري لوجــود الكــيان الصهيوني في المنطقة العــربية بوصـفه استعماراً استيطانياً عنصرياً يهدد الأمـن القــومي المـصري، ومن ناحية أخـرى دعم الشـعب الفلسطيني، باعتبار أن ما يعانيه هو جزء من القضية الوطنية المصرية، وهم إنساني عام.
فبعد أســبوع تــقريباً من اندلاع الانتفاضة الفلســطينية في أواخر عام 2000، أعلن اليسار المصري تضامنه معها، وكان الهدف تنظيم دعم المواطن المصري للشعب الفلسطيني، من خــلال التوقيع على عرائض الاحتجاج على الوجود الصهيوني، التوقيع على عرائض تساند مطالب الانتفاضة الفلسـطينية محلياً وعالمياً، تنظيم قوافل الدعم المادي والإغاثة للشعب الفلسطيني تتخذ شكل المسيرات الشعبية لتصل إلى أماكن تســليمها، وإيجاد آليات لاستمرار حــركة المقــاطعة من أجل الضــغط على الحكــومة وغيرها من الأطراف الآخذة في التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل والصهاينة، هذه التحركات كانت الأساس لعودة ظــاهرة الاحـتجاج إلى الشارع المصري بعد فترة غياب منذ حرب الخليج الثانية في مطلـع التسعينيات.
أما عن حركة 20 مارس من أجل التغيير فقد اتضحت فيها بـصورة أكــبر تلك المزاوجة بين العوامل الداخــلية والخارجية. فقد انطلقت الحــركة من تظاهرات الجماهير المصرية الغاضبة ضد الحرب على العراق التي منحت حالة من الثقة لدى نشطاء اليسار في ضرورة وجـود لافتة مُجمِعة لليسار لتعبئة الجمــاهير في أنشطة تهدف للتغيير، ورغم عدم اكتمال التجربة إلا انه كانت نواة هامة في تشكل حركة كفاية لاحقا.
أما عن المجموعة المصرية لمناهــضة العولمة فهي تجمع لنشطاء أفراد تهدف للنضال ضد العولمة في مصر، وتسعى لتطوير هذا النضال وتوسيع رقعته. بدأت أجيج بمبادرة محدودة في خريف 2001، ونجحت في فتــرة قصــيرة في توسيع دائرة نشاطها. بدأت أجيج كجزء من حركات مناهضة العولمة الدولية، وهي ليس لهــا برنامج ســياسي أو أيديولوجية بالمعـنى الكلاسيكي الموجود لدى الأحزاب السياسية، فهي مجموعة ضمت كل أطياف النشطاء على اختلاف توجهاتهم من المتعاطفــين فكرياً مع اليسار. وقد ساهمت المجموعة في تطوير وسائل الاحتــجاج في مـصر وربطته بنضالات عالمية وإقليمية دعمت الداخل في تحركاته المختلفة.
إن الحديث عن غياب اليـسار عن الحركة السياسية المصرية هو حديث به قدر كبير من التبســيط، فعــدد ممــثلي الـتيار في المجالس التمثيلية قد يكون محدوداً، إلا أنه خلال السنوات العشر الأخيرة كان اليسار محركاً أو رافداً أو محفزاً بدرجة ما للعديد من التحركات الاحتجاجية في مصر، وهو ما يعني عودته للساحة بعد فترة خمول وغياب.
فعلى مستوى البنية، شهدت الحــركات الســابقة تطوراً دائماً، مرتبطاً بواقــع الأحداث والتطــورات التي شهدها المجتمع المصــري. بالإضافة لذلك، كان هناك قدر كبير من الابتكار التنظيمي الذي مكن من استيعاب فئات عدة في هذه الحركات، وزاد من القدرة على العمل في ظل القمع الذي قد تواجهه، وقدمت نموذجاً ديموقــراطياً منفتـحاً للعمل السياسي. كما أن الأنشطة التي قامت بها هذه الحركات على المستوى المحلي أو الإقليمي، قياساً بعمرها، يعتبر كماً لا بأس به في ظل الحدود المتاحة والممكنة. وقد حركت مثل هذه الأنشطة العديد من القطاعات في المجتمع، وساهمت في تغيير ثقافة الخوف والسلبية التي ظلت سائدة لسنوات طوال في الشارع المصري.
إلا أن هذه الحــركات جاءت كلها رد فــعل لأحــداث، ولم تأخذ شكل مبادرات عمل جادة يمكنــها الاشتباك مع الواقع إجمالاً، والعمل على تطويره أو تغييره. كما ظلت معظم المساهمات على المستوى الفكري نخبوية إلى حد بعيد، فهي تهتم بالمواطن ومشكلاته لكـنها لا تخاطــبه ولا تــشركه في بلورة حلول وبدائل تغيير من واقعه. كما ظـلت أنشطتها تقليدية تفتقر للابتكار، فاستخدمت الأدوات التقليدية وكان تطويرها فقط في جانب استخدام التكنولوجي، أما التحركات فظلت تقليدية من تظاهرات، ووقفات احتجاجية، ونشرات وكتيبات.
كان لانفتاح هذه الحركات حدوده أيضاً، فالعمل مع التيارات السياسية الدينية ـ وخاصةً الإخوان المسلمين ـ كانت قضية محل خلاف دائم، وكانت النقاشات والسـجالات في هذا الموضوع مصدرا للتوتر واستنزاف الطاقات داخلها. أما العلاقة مع السلطة فطبيعة اليسار كانت غالبة، إذ إن الرأي الغالب كان العمل من أجل التغيير لا الإصلاح؛ وعلى هذا الأساس، كانت العلاقة من جانب هذه الحركات علاقة تصادمية بالسلطة معظم الأوقات، أما على الجانب الآخر أي السلطة، فقد انتهجت استراتيجية ترك الحبل لهذه الحركات على استقامته مع الضرب بقوة عندما تحاول هذه الحركات تخطي الخطوط الحمراء.
يظل العائق الرئيس أمام حركات الاحتجاج المرتبطة باليــسار في مصر هو حالة التفتت التي يعيــشها هذا التيار والخلافات التاريخية بين تنـظيماته المختلفة، وغلبة مصلــحة التيارات السياسية المختلفة داخله على مصلحة الحركة والعمل المشــترك. ويجب ألا نغفل أن كثيراً من قيادات هذه الحــركات يعمل من خلال خبراتها التاريخــية المســتمدة من العمل السري، رغم علنــية هذه الحركات وحاجتها لخبرات من نوع آخر. ويبقى غياب أي تراكم على مــستوى التنظيم هو المعـوق الأســاسي أمام هذا التيار للتفاعل مع الواقع، مما يجعل الحركات الخاصة به في حالة مد وجزر دائماً.
[ المدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي
"السفير"






