> في منأًى عن التحليلات الامنية – السياسية ونظريات المؤامرة ومشتقاتها المتكاثرة في تفسير الكارثة التي نزلت بالآلاف من اللبنانيين المستثمرين لدى صلاح عز الدين، يمكن التعامل مع المسألة على انها نصيب اللبنانيين من الازمة الاقتصادية العالمية ومن المرحلة الحالية من العولمة.
ثمة دناءة أخلاقية تبرز اول ما تبرز، من بعض الاصوات والكتابات التي نضحت بالشماتة مما اصاب عز الدين بسبب قربه من «حزب الله». فالامر، في نهاية المطاف، لا ينحصر ولا يجوز ان ينحصر في عملية افلاس، قهرية او احتيالية (الجزم في أي من الطبيعتين متروك للقضاء)، أتت على مئات الملايين من دولارات لبنانيين وعرب وضعوا ثقتهم في رجل اعمال اساء تقدير المخاطر المرافقة للإفراط في توسع غير مدروس درساً وافياً. سيان في السياق هذا أكان «حزب الله» قد خسر بضعة ملايين ومدى اتصال القضية بآليات عمل الحزب المالية والأمنية، طالما ان الاكثرية الكبرى من المتضررين تنتمي الى شرائح اجتماعية متوسطة ومحدودة الدخل، سعت الى تحسين دخلها عبر الاستثمار تحت لافتة تريح «ضميرها» السياسي والديني. وسيان ايضاً أكان عز الدين قد استغل علاقاته بالحزب للاستفادة من كتلة مالية ضخمة ام لم يستفد، طالما ان سذاجة صغار المودعين ومتوسطيهم ما زالت شديدة الحضور في قضايا الإفلاس التي يشهدها لبنان مرة كل خمسة او ستة اعوام.
تكمن اهمية قضية عز الدين، على المستوى اللبناني الداخلي، في انها اصابت وسطاً اجتماعياً وسياسياً محدداً، ما جعلها تعادل «حرب تموز اقتصادية» على ما نسب الى وزير من الطائفة الشيعية، من جهة، وانها أظهرت «المناعة» التي تغنى بها سياسيون واقتصاديون لبنانيون حيال الإعصار الذي يضرب الاقتصاد العالمي منذ قرابة السنة، بلا أي مضمون حقيقي.
فإذا كانت ضآلة التعاملات في سوق الاسهم المحلية والحواجز التي وضعها المصرف المركزي امام الاستثمارات في «الاموال والاسواق الساخنة»، قد حالت دون اصابة الاقتصاد اللبناني في الموجة الاولى من انهيار الاسواق العالمية، فها هي قضية عز الدين تظهر ان لبنان، وغيره من الدول العربية التي تتبنى سياسات نقدية محافظة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدورة الاقتصادية العالمية، صعوداً وهبوطاً. واهم من يعتقد بقدرته على ركوب سفينة النجاة في الوقت الذي يكتشف العالم بأسره ان زوارق الانقاذ كلها مثقوبة القعر، وفق ما تقول الأرقام الاخيرة عن تأخر الانتعاش المنتظر في اقتصادات الدول الصناعية.
السمة الابرز التي يسلط افلاس مؤسسات عز الدين الضوء عليها تتلخص في ان حصتنا من الازمة العالمية جاءت على شاكلتنا او على شاكلة الشرائح الاكثر حيوية في مجتمعاتنا. هناك تتداخل المصالح المالية بالانتماءات الطائفية والسياسية فيذهب «الحاج» صلاح الى الاماكن المقدسة للتعرف إلى المستثمرين المحتملين مستخدماً علاقات قد تكون أو لا تكون صحيحة او متينة بجهة سياسية تتغنى بنزاهتها وعصمتها في السياسة وبالأخلاق الحميدة. ويجرى التداول بدوافع امنية وافخاخ نصبتها قوى الاستكبار لضرب المقاومة… لكن الواقع ينبئ ان اموال المعتمرين والحجاج وزائري العتبات المقدسة دفعت في مضاربات في اسواق النفط والحديد والعملات التي لا تعترف سوى بالقوانين الناظمة لحركتها، من دون ان تؤثر فيها الاقنعة التي استخدمت لمراكمة الاموال المستخدمة في المغامرات التجارية.
المودعون من معروب وطورا ويارون وعشرات البلدات والقرى الصغيرة في الجنوب اللبناني وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، ليسوا على اطلاع كاف على قوانين الاسواق العالمية، لكنهم وجدوا انفسهم، فجأة، شركاء في عولمة متوحشة يؤدون فيها دور الضحية، من دون اذن ولا علم، كالعادة.
"الحياة"






