وجهت انتقادات ضمنية للمالكي.. ورئيس الديوان لـ«الشرق الأوسط»: القرارات لا تؤخذ بانفعال
بغداد: نصير العلي دمشق: سعاد جروس القاهرة: «الشرق الأوسط»
في ما بدا أنه انقسام عراقي حيال الأزمة الدبلوماسية بين العراق وسورية، وجه مجلس الرئاسة المكون من رئيس الجمهورية جلال طالباني ونائبيه عادل عبد المهدي وطارق الهاشمي، انتقادات ضمنية إلى رئيس الوزراء نوري المالكي الذي اتهم سورية بإيواء عناصر مسؤولة عن تفجيرات بغداد الأخيرة، ودعا المجلس إلى تطويق تلك الأزمة واستشارته في القضايا الأساسية، في إشارة إلى «تفرد» المالكي بالقرارات.
وقال بيان رئاسي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه إن الرئيس العراقي ونائبيه اجتمعوا مساء أول من أمس في منتجع دوكان مقر طالباني في إقليم كردستان، وإن المجتمعين أكدوا على ضرورة تهدئة الأوضاع مع دمشق.
وكانت الحكومة العراقية قد طلبت من الأمم المتحدة إنشاء محكمة دولية للتحقيق في التفجيرات الدامية التي شهدتها بغداد مؤخرا وراح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى. واتهمت الحكومة العراقية سورية بإيواء العناصر التي خططت لتلك الهجمات.
ودعا مجلس الرئاسة إلى ضرورة «تطويق الموقف مع الجارة سورية والتعاون بين البلدين لحل المشكلات العالقة عن طريق الحوار والقنوات السياسية والدبلوماسية لما فيه مصلحة الدولتين ومنع العناصر المعادية من استغلال أي ظرف للعمل ضد البلد الآخر».
وأضاف البيان أن «الدعوة لاعتبار العمليات الإرهابية جرائم ضد الإنسانية وتشكيل محكمة دولية لهذا الغرض لا تُقصد بها سورية بل ملف الإرهاب، وقرر (مجلس الرئاسة) كتابة سلسلة رسائل بهذا المعنى إلى دولة رئيس الوزراء والأمين العام للجامعة العربية تتضمن موقف مجلس الرئاسة الذي يصر على أهمية استشارته وأخذ موافقته في القضايا الرئيسية والأساسية».
وأضاف البيان أن مجلس الرئاسة العراقي قرر «متابعة الرسالة التي كتبها لدولة رئيس الوزراء ودولة رئيس مجلس النواب الموقرين في 23 أغسطس (آب) 2009 لمتابعة الملف الأمني ووقف استباحة الدم العراقي بكل الوسائل السياسية والأمنية المطلوبة».
وأضاف البيان أن مجلس الرئاسة ناقش الاستعدادات للانتخابات التشريعية القادمة وقرر «سلسلة من المقترحات لضمان نزاهتها وحياديتها وسلامة سيرها إضافة إلى قرارات تمنع اتخاذ إجراءات تشهيرية أو غير دستورية ضد سفراء ومسؤولين وضباط في مناصب رفيعة مما يسيء إلى سمعة الدولة العراقية وسياقات عملها القانونية».
وشهدت الآونة الأخيرة سلسلة من القرارات المفاجئة منها قرار إقالة قائد عمليات وزارة الداخلية اللواء عبد الكريم خلف من المالكي دون علم وزير الداخلية جواد البولاني، وبحسب مصادر فقد توترت العلاقة بين المالكي والبولاني الذي رفض القرار واعتبره في غير محله، إذ أن اللواء خلف يعد واحدا من أكفأ المسؤولين الأمنيين المشهود لهم بالنزاهة والوطنية.
وتبع ذلك قيام المحكمة الجنائية العراقية العليا في بغداد بإصدار مذكرة إلقاء قبض بحق سفير العراق لدى الأردن سعد الحياني، بتهمة تهريب أحد الدبلوماسيين المتهمين بجريمة قتل، فيما أعلن عن مذكرة إلقاء قبض أخرى بحق رئيس ديوان الرقابة المالية عبد الباسط تركي بتهمة المشاركة في التوقيع على إعدام التجار في زمن النظام السابق.
وفيما نفت وزارة الخارجية علمها بأمر مذكرة إلقاء القبض على موظفها الحياني، الذي أكدت أنه ما زال في منصبه، وصف بيان صادر عن ديوان الرقابة المالية التهم التي وُجهت إلى تركي بأنها كيدية، لأن تركي ترأس لجنة لمراقبة الخروقات المالية في المحكمة الجنائية.
ومن جهته، أكد نصير العاني رئيس ديوان مجلس رئاسة الجمهورية العراقية، لـ«الشرق الأوسط» أن «مجلس الرئاسة العراقي هو طرف مهم في اتخاذ القرار، ومجلس الرئاسة يعمل بالتنسيق مع مجلس الوزراء على أن تكون القرارات المصيرية والهامة والقرارات التي تحمل بعد استراتيجي يجب إن تكون قرارات مفوضة وخالية من أي توتر وأي انفعال وخالية من إي جلب لمشكلات للبلد»، وأضاف: «نحن الآن في طور إعادة البناء وترميم العلاقات مع كل الدول وعلى رأسها دول الجوار، وهنا لا نحتاج إلى أي تصعيد لكن هناك وجهات نظر في الموضوع، ومجلس الرئاسة حاليا على تواصل مع مجلس الوزراء لاحتواء وتقويض الأزمة مع سورية». وأكد وحدة موقف مجلس الرئاسة العراقي في الأزمة العراقية ـ السورية قائلا إن «قرارات واتجاهات أعضاء مجلس الرئاسة موحدة، ودائما هناك إجماع على نفس القرار ولم يحدث تضارب في المواقف وبخاصة في القضايا المصيرية التي تحتاج إلى حكمة وبراعة عاليتين في إدارة هذه الأزمة بين البلدين من غير أن تُغبَن الحقوق ومن غير إن تُهمَل معاقبة المقصر».
وفي حال تمسك الحكومة العراقية بموقفها من حيث وجوب تشكيل لجنة تحقيق دولية وتسليم مطلوبين موجودين على الأراضي السورية، قال العاني إن «هذا الأمر لا يعني وجود خلاف بين مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة، لأن مطالب تسليم متهمين بشكل رسمي تثبت عليهم أدلة قاطعة بقيامهم بأعمال إرهابية ضد الشعب العراقي لا يمكن أن يُستهان بهذا الأمر ومجلس الرئاسة لا يتهاون مع هذا الأمر بأي صورة كانت لكن أراد مجلس الرئاسة أن تدار المسألة بحكمة ووصول للحقائق بطريقة فنية ودقيقة».
ولم يستبعد رئيس الديوان مبادرة قريبة يعرضها مجلس الرئاسة بشأن العلاقات العراقية السورية، وقال: « لا يوجد شيء مستبعد لكن حتى الآن لم يحدد مثل هذا الأمر».
وفي دمشق، رفض مصدر رسمي سوري التعليق على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول الموقف السوري من الخلاف الناشب بين مجلس رئاسة الجمهورية العراقية ومجلس رئاسة الوزراء. فيما اعتبر مراقبون في دمشق أن هذا الخلاف في العراق حول الموقف من سورية دليل على أن «حكومة المالكي تسرعت جدا وأخطأت السبيل»، وأن بيان الرئاسة في العراق يؤكد أن «خطوة المالكي المتسرعة غير مَرضِيّ عنها داخل العراق وأن الحكومة تتخبط بإجراءاتها».
وعلى صعيد متصل، كشفت مصادر دبلوماسية عربية بالقاهرة عن وجود ترتيبات لعقد لقاء رباعي يجمع كلا من وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري والسوري وليد المعلم بحضور الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ووزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو لاحتواء الأزمة التي تفجرت مؤخرا بين بغداد ودمشق. وقالت المصادر إن الأمين العام للجامعة العربية بذل جهودا كبيرة بتشجيع من تركيا وإن هذه الجهود ستتوج بالاجتماع الرباعي بين المعلم وزيباري وحضور عمرو موسى، وداوود أوغلو، الذي سعت بلاده إلى تطويق الأزمة الدبلوماسية بين سورية والعراق منذ البداية واللجوء إلى حل ثنائي برعاية إقليمية وعربية وبخاصة أن الجانب السوري أبدى موافقته على عقد اللقاء، كاشفة عن أن أفكارا ستُطرح خلال اللقاء كخطوات لأخذ الحالة العراقية السورية الحالية من مسار الأزمة المتصاعد نحو التهدئة.






