المستقبل – لندن ـ رانيا كرم
كُشف في لندن أمس أن "شخصية غامضة" من أصل سوري وتحمل الجنسية البريطانية كانت على علاقة بعدد من المتورطين في "مؤامرة المتفجرات السائلة" التي كان يُفترض أن يحملها "انتحاريون" إلى متن ما لا يقل عن سبع طائرات تنطلق من العاصمة البريطانية إلى أميركا الشمالية في صيف العام 2006.
ودانت محكمة بريطانية، أول من أمس، ثلاثة متهمين بريطانيين من أصل آسيوي بتهمة التخطيط لتفجير طائرات في ما بات يُعرف بـ "مؤامرة المتفجرات السائلة"، وهي المؤامرة التي يقول المحققون إن تنظيم "القاعدة" في باكستان وراءها وإنها كانت ستجعل من هجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 عملاً صغيراً بالمقارنة معها.
وقال مسؤولون أميركيون وبريطانيون في مجال مكافحة الإرهاب إن قادة في "القاعدة" ومتشددين آخرين في باكستان هم من جاء بفكرة تدمير الطائرات بالسائل المتفجر الذي سيتم اخفاؤه في زجاجات مشروبات غازية تُفرغ من محتوياتها الحقيقية وتوضع مكانها مادة كيميائية مماثلة لتلك التي استخدمها "الانتحاريون" الأربعة الذين فجّروا باصاً وثلاث محطات لمترو الانفاق في العاصمة البريطانية في 7 تموز (يوليو) 2005، وهو الحادث الذي تنباه تنظيم "القاعدة" وأوقع 52 قتيلاً ومئات الجرحى.
وكشف مسؤولون أمنيون إن البريطاني من أصل آسيوي رشيد رؤوف كان صلة الوصل الأساسية بين "القاعدة" في باكستان والمتورطين في مؤامرة "المتفجرات السائلة"، وأن رؤوف نفسه كان أيضاً على اتصال بمختار إبراهيم (صومالي) وهو قائد مؤامرة تفجيرات فاشلة في 21 تموز (يوليو) 2005، وهي مؤامرة كان يُفترض أن تُنفّذ بعد ثلاثة أسابيع من مؤامرة تفجيرات المترو وتكون مماثلة لها (تفجير باص وثلاث محطات للمترو). وفشلت مؤامرة 21 تموز (يوليو) عندما لم تنفجر الحقائب المفخخة التي كان يحملها منفّذو الهجوم الأربعة والذين يقضون حالياً عقوبة السجن مدى الحياة. وأبلغت أجهزة الاستخبارات البريطانية ـ جهاز الأمن "أم آي "5 وجهاز الاستخبارات الخارجية "أم آي 6 " ـ لجنة الاستخبارات في مجلس العموم في نهاية العام 2008 أنها تعتقد ان رؤوف كان متورطاً أيضاً في مؤامرة تفجيرات 7 تموز (يوليو) 2005 في لندن.
ودانت محكمة ووليتش (شرق لندن) أول من أمس قادة مؤامرة المتفجرات السائلة وهم عبدالله أحمد علي وأسد سروار وتنوير حسين بالتورط في مؤامرة تفجير الطائرات عام 2006، بعدما أُعيدت محاكمتهم مرة ثانية إثر فشل هيئة محلفين أولى في إدانتهم بتهمة التحضير لتفجير الطائرات واكتفت بادانتهم بالتخطيط للقتل. وطلب الإدعاء إعادة محاكمة الثلاثة مع أربعة متهمين آخرين، لكن هيئة المحلّفين الثانية برّأت الأربعة الآخرين وأعادت إدانة الثلاثة الأول (علي وسروار وتنوير) بالتخطيط للقتل وبالتهمة الأساسية التي سعى إليها المحققون وهي التخطيط لتفجير الطائرات. وكان دفاع المتهمين يجادل طوال المحاكمتين اللتين كلّفتا 50 مليون جنيه استرليني، بأنهم كانوا يسعون إلى إثارة انتباه الرأي العام إلى الظلم الذي يلحق بالمسلمين على يد الغرب، وأن أشرطة الفيديو التي سجّلها المتهمون وأشادوا فيها بأسامة بن لادن وتلوا فيها وصاياهم كي تُبث بعد "تفجير الطائرات" كانت في الحقيقة جزءاً من "فيلم وثائقي" يروون فيه ما يعتبرونه مظالم تلحق بالمسلمين، في افغانستان والعراق مثلاً، على يد الأميركيين والبريطانيين.
وكشف المحققون خلال المحاكمة أن عبدالله أحمد علي (28 سنة) واسد سروار (29 سنة) زارا باكستان أكثر من مرة في إطار التحضير لمؤامرة "المتفجرات السائلة"، وأنهما كانا على ما يبدو "متمرسين في طُرق تفادي مراقبة أجهزة الأمن". وقالوا إنهما كانا يتبادلان رسائل بالبريد الالكتروني مع شخصية مرتبطة بـ"العقول المدبرة" للمؤامرة في باكستان. وخلص المحققون إلى أن هذه الشخصية التي كان الشابان يبلغانها بلغة مشفّرة (بالرموز) بأي جديد في المؤامرة هي في الحقيقة شخصية رشيد رؤوف البريطاني الآسيوي الأصل الذي فر إلى باكستان في العام 2002 بعدما عُثر على عمّه مقتولاً في برمنغهام (وسط انكلترا). وكان المحققون يراقبون عن كثب علي وسروار منذ عودتهما من رحلة إلى باكستان في كانون الأول (ديسمبر) 2005، ونجحوا في زرع أجهزة تسجيل وأجهزة فيديو سرية في داخل شقة اشتراها المتهمون نقداً (130 ألف جنيه) في شرق لندن وجعلوا منها مختبراً للمتفجرات. لكن المؤامرة لم تنضج تماماً سوى في حزيران (يونيو) 2006 عندما طار سروار مجدداً إلى باكستان حيث تم تعليمه كيفية تركيب قنبلة متفجرة من مادة كيميائية سائلة تُستخدم في محلات الحلاقة وتُرش على شعر السيدات (سبراي).
وفي موازاة مراقبة البريطانيين لأفراد الخلية يُجرون تحضيراتهم للسائل المتفجر في الطائرات وبعدما عرفوا بـ "اشرطة الوصايا" التي تم تسجيلها، بدأ القلق يساور الجانب الأميركي من إفلات المتورطين من الرقابة عليهم فطلبوا من إسلام آباد اعتقال صلتهم في باكستان رشيد رؤوف، وهو أمر فاجأ البريطانيين الذين خشوا أن تذهب جهودهم هباء نتيجة اعتقاله فيتخلى أفراد خليته في بريطانيا عن مهمتهم ويتخصلون من المتفجرات والأدلة التي يمكن أن تدينهم. فسارعوا إلى اعتقال ثمانية أفراد كانوا يعتقدون أنهم متورطون مباشرة في المؤامرة، وأحالوهم على المحاكمة.
وذكرت صحيفة "الغارديان" في عددها أمس أن مسؤولي مكافحة الإرهاب البريطانيين يعتقدون أن شخصاً سورياً مجنساً بالجنسية البريطانية يُعرف بلقب "غابس" ويقطن شرق لندن هو من نظّم لمختار إبراهيم الصومالي المتورط في مؤامرة التفجيرات الفاشلة في لندن في 21 تموز (يوليو) 2005 زيارته الشهيرة لباكستان في كانون الأول (ديسمبر) 2004 حيث تلقى "تدريباً على الإرهاب". وأضافت أن المحققين أبلغوا هيئة المحلّفين خلال محاكمة "خلية المتفجرات السائلة" أن هذا الشخص السوري ذاته كان أيضاً على اتصال مع عدد من افرادها. وكشفت أن السلطات الأميركية تتهم هذا الناشط السوري بالتورط في سلسلة من النشاطات الإرهابية بينها "تقديم دعم مادي ولوجستي للقاعدة ومنظمات إرهابية أخرى" و "تسهيل سفر مجنّدين يسعون إلى لقاء قادة في القاعدة وتلقي تدريبات إرهابية"، لكن البريطانيين فشلوا في محاكمة السوري في العام 2004 عندما اعتقلوه وأحالوه على محكمة منحته البراءة. وذكرت الصحيفة أنها لن تُسمّي السوري لدواعي قانونية.
وتقول أجهزة الاستخبارات الأميركية إن مؤامرة المتفجرات السائلة كان يُشرف عليها مباشرة من باكستان القيادي في "القاعدة" أبو عبيدة المصري" الذي توفي وفاة طبيعية هذه السنة في مناطق القبائل الباكستانية. أما صلة الوصل المباشرة بين المتورطين و"القاعدة" فكان رشيد رؤوف الذي يُزعم انه عُذّب لانتزاع اعترافات منه أمام أجهزة الاستخبارات الباكستانية. وهو نجح بعد سنة من اعتقاله في الفرار من عناصر الأمن الباكستاني الذين سمحوا له بدخول مسجد للصلاة فتوارى عن حراسه. ويُعتقد أنه قُتل في غارة أميركية في مناطق القبائل الباكستانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، لكن لم يتم العثور أبداً على جثته.






