حتى ساعة كتابة هذه السطور، لم ترشح أي معلومات عن تقديم الخطة المُنتظرة لتنفيذ قانون “مكافحة كبتاغون الأسد”، إلى المعنيين في الكونغرس الأميركي. نظرياً، دخل القانون حيز التنفيذ منذ أيام، بعد مرور 180 يوماً على توقيعه وإصداره رسمياً من جانب الرئيس الأميركي، جو بايدن، في 23 كانون الأول/ديسمبر الفائت. لكن عملياً، تزداد المخاوف لدى شريحة أكبر من المراقبين، أن تكون الإدارة الأميركية بصدد التراخي في تطبيق القانون، خدمةً لغرضين: عدم التأثير سلباً على مفاوضاتها مع نظام الأسد لإطلاق سراح معتقلين أميركيين في سوريا، وترك فرصة لاختبار النتائج المحتملة لخطوات التطبيع العربي مع النظام.
لا تملك الإدارة الأميركية خيار عدم تنفيذ القانون. إذ تم إقراره من الكونغرس، بمجلسيه. لكن الإدارة تستطيع التراخي في تنفيذه، خاصة أن عملية التنفيذ تلك تتطلب تعاون عدد كبير من المؤسسات، بدءاً بوزارة الدفاع والخارجية والخزانة، مروراً بمديريات مكافحة المخدرات والاستخبارات والبيت الأبيض، وانتهاءً برؤوساء الوكالات الفيدرالية ذات الصلة. ناهيك عن أن الخطوط العريضة لخطة التنفيذ، وفق منطوق القرار، تتطلب أيضاً تعاوناً مع أطراف إقليمية معنية بهذا الملف. والنقطة الأخيرة، قد تكون الهدف الرئيس للقانون أساساً، وهو تعزيز التزام الولايات المتحدة حيال حلفائها في المنطقة، في مواجهة المسعى الدبلوماسي الصيني والروسي، لاستمالة هؤلاء الحلفاء.
القانون الذي تدعمه شريحة كبيرة من المشرعين الأميركيين، يفترض ممارسة ضغوط من جانب الإدارة الأميركية على حلفائها في المنطقة، لمنع مسار التطبيع الذي يتبعه هؤلاء الحلفاء، مع الأسد
وتتطلب الحيثية الأخيرة، وقفة مطوّلة. فالإدارة الأميركية لا تملك رفاهية الضغط على حلفائها في الشرق الأوسط، الذين يبدون ميلاً متزايداً لاختبار فرص التقارب مع خصوم أميركا الدوليين. وتتصدر السعودية هذا الميل. تتلوها الإمارات. وهما من أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. لذا، تزداد المؤشرات على أن إدارة بايدن تفضّل التركيز على المشاغل المشتركة مع هؤلاء الحلفاء، بدلاً من استخدام أدوات الضغط عليهم، خشية ذهابهم أبعد باتجاه الصين وروسيا. وهو ما يفسّر ما قالت مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطية” الأميركية، بأنها جهود من جانب الإدارة لمنع قانون مكافحة التطبيع مع النظام السوري، من الوصول إلى مجلسي النواب والشيوخ. ذاك أن القانون الذي تدعمه شريحة كبيرة من المشرعين الأميركيين، يفترض ممارسة ضغوط من جانب الإدارة الأميركية على حلفائها في المنطقة، لمنع مسار التطبيع الذي يتبعه هؤلاء الحلفاء، مع الأسد. ورغم الإدانة العلنية لهذا المسار، الذي أبدته الإدارة الأميركية مراراً، في الآونة الأخيرة، إلا أنها أبدت في الوقت نفسه، تراخياً في ردعه، ورشح عن بعض مسؤوليها تصريحات تفيد بتأييدها له، طالما أنه يؤدي إلى تنازلات من جانب النظام السوري.
أحد التنازلات التي تراهن الإدارة الأميركية على تحقيقها، هو استعادة المعتقلين الأميركيين في سوريا، أو بعضهم على الأقل، وأبرزهم أوستن تايس، المفقود منذ العام 2012، والذي تحولت والدته النشطة في عرض قضيته، إلى إحدى المؤثرات في الرأي العام الأميركي، بهذا الصدد. لذا تراهن إدارة بايدن على تحقيق اختراق في قضيته، قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي، بصورة تخدم مساعيه للفوز بولاية أخرى. وبهذا الهدف، فتحت الإدارة قناة تفاوض مع النظام، عبر عُمان. وهذه ليست المرة الأولى التي تتواصل فيها واشنطن مع نظام الأسد، بهذا الغرض. إذ سبق أن ذهبت إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، إلى أبعد من ذلك، وتواصلت بشكل مباشر مع مسؤولين في مخابرات النظام. لكنها لم تحصد أية نتيجة. إذ واصل النظام إنكاره لوجود تايس، في حوزته. لكن، هذه المرة، تبدو المفاوضات أكثر جدية، إذ قام رأس النظام بزيارة مفاجئة إلى عُمان، في شهر شباط/ فبراير. ومن المرجح أن هدف الزيارة كان يتركز على افتتاح قناة للتفاوض مع الأميركيين. ويطلب النظام تنازلات كبيرة من واشنطن، لقاء تحقيق تقدم في قضية المعتقلين الأميركيين في حوزته. من أبرزها، رفع العقوبات الأميركية عنه.
ولا تملك الإدارة الأميركية القدرة على الذهاب بعيداً بهذا الاتجاه، مع وجود معارضة كبيرة داخل السلطة التشريعية، لأي تطبيع مع النظام. لكنها تملك القدرة على التراخي في تنفيذ العقوبات حياله. وهي تهمة لطالما رددها مراقبون أميركيون، بخصوص تطبيق قانون “قيصر”، في عهد إدارة بايدن.
تتجه إدارة بايدن نحو مسارٍ معاكس، لذاك المسار التصعيدي الذي ترغب به نخبة تشريعية في الكونغرس. فتلك الأخيرة، تدفع أكثر وأكثر نحو تعقيد أي انفتاح على النظام السوري، بدفعٍ من لوبي نشط من المناوئين لنظام الأسد، من السوريين الأميركيين
وما بين المصالح الانتخابية الضيقة للإدارة الأميركية، والمصالح التحالفية الأعرض مع دول حليفة في المنطقة، كالسعودية والإمارات، وأيضاً الأردن ومصر، التي تريد اختبار مقاربة جديدة حيال الأزمة في سوريا، تتجه إدارة بايدن نحو مسارٍ معاكس، لذاك المسار التصعيدي الذي ترغب به نخبة تشريعية في الكونغرس. فتلك الأخيرة، تدفع أكثر وأكثر نحو تعقيد أي انفتاح على النظام السوري، بدفعٍ من لوبي نشط من المناوئين لنظام الأسد، من السوريين الأميركيين.
وفيما تغيب أية معلومات عن الخطة المنتظرة لتطبيق قانون مكافحة كبتاغون الأسد، تتواصل الحملة الإعلامية الغربية للكشف عن مدى ارتباط النظام السوري بتجارة المخدرات بالمنطقة. وهي إحدى البنود الأولية لخطة تنفيذ القانون، وفق منطوقه، حين صدوره، قبل ستة أشهر. آخر منتوجات تلك الحملة، تحقيق مشترك أجرته بي بي سي عربي، بالتعاون مع شبكة الصحافة الاستقصائية OCCRP. وقد قدّم التحقيق أدلة جديدة تؤكد ما سبق أن خلصت إليه تحقيقات إعلامية غربية سابقة، بتورط مسؤولين كبار داخل الفرقة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رأس النظام، في إنتاج وتجارة الكبتاغون في سوريا. وهو ما يزيد الضغط على إدارة بايدن، التي من المرجح أن تواصل مقاومة ضغوط النخبة التشريعية الأميركية، في المدى الزمني المتوسط، عبر إجراءات متراخية للقوانين الأميركية التي تستهدف النظام السوري، بصورة تخدم مساعيها لاختبار فرص التواصل معه.
“تلفزيون سوريا”


























