بعد مرور قرابة أسبوع على تطويق تمرد مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحد من وطأة هذا التمرد المطوق على صورته وسلطته وعلى صورة روسيا ووزنها في العالم. والحقيقة أن التحرك الذي قاده زعيم المجموعة يفغيني بريغوجين ساهم إلى حد كبير في خلط كثير من الأوراق التي كان من الضروري العودة إليها لفهم الطريقة التي استطاع من خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحكام يديه على السلطة في روسيا. كما أن هذه الأوراق كانت تسمح بالتعرف إلى الطريقة التي تحرص من خلالها روسيا على استخدام المجموعة ذاتها لتوسيع دائرة نفوذها الجيوستراتيجي في عدة مناطق منها القارة الأفريقية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
وواضح أيضا أن التوصل إلى تطويق تمرد مجموعة فاغنر على السلطة المركزية يطرح عدة أسئلة بشأن مستقبل الحرب الروسية في أوكرانيا وبشأن استراتيجية الغرب للتصدي لبوتين في أوكرانيا ولمحاولة إضعاف روسيا دون إيصالها إلى مرحلة قد تؤدي إلى الفوضى ما ينعكس سلبا على التوازنات الدولية. وحتى تتم الإجابة على هذه الأسئلة بشكل يسمح بإيجاد رابط دقيق بين بعضها البعض، لا بأس من التوقف عند أسباب قيام التمرد وأسباب فشله وأثر هذا الفشل الظاهري في سلطة بوتين والجيش الروسي ومجموعة فاغنر نفسها؟ كما يحسن بنا الخروج ببعض الاستنتاجات في ما يخص مستقبل الحرب الروسية في أوكرانيا ومسار العلاقة بين روسيا والغرب.
ردة فعل مزاجية أم مخطط
لقلب نظام الحكم؟
خلال اليومين اللذين حصل فيهما التمرد أي يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من شهر حزيران/يونيو الماضي، نشط دعاة نظرية «المؤامرة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي وانقسموا عموما إلى طرفين يرى أحدهما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحركت عبر وكالة المخابرات المركزية «سي آي -أي» لمحاولة الإطاحة بالرئيس فلاديمير بوتين لعدة أسباب منها توصلها إلى قناعة مفادها أنه فعلا قادر على الإقدام على استخدام السلاح النووي لاسيما بعد أن اتضح له أنه لا يمكن أن يكسب الحرب التي يشنها على أوكرانيا منذ شباط/فبراير من العام الماضي. وفي السياق ذاته، يرى جانب من دعاة هذا الطرح أن الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ارتأى أن التخلص من بوتين هو الطريقة المثلى لإنهاء الحرب في أوكرانيا بعد حصول قناعة لديه بانها ستطول أكثر من اللزوم وبأن الدول الغربية لن تصبح قادرة على مواصلة دعم أوكرانيا عسكريا واقتصاديا وماليا لسنوات أخرى. أما دعاة الطرح الآخر المندرج بدوره في إطار نظرية المؤامرة، فإنهم يرون أن التمرد الذي حصل إنما هو مجرد «مسرحية» شارك فيها الرئيس الروسي وزعيم مجموعة فاغنر أحد رجال الأعمال المقربين منه والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو لإيهام الغرب بأن روسيا هشة واتهامه من جديد بمحاولة خنق الشعب الروسي والتدخل في شؤونه الداخلية.
وإذا كان دعاة نظرية محاولة الانقلاب الأمريكية على بوتين ودعاة نظرية المسرحية المشتركة بين بوتين وبريغوجين ولوكاشينكو لم يُقدِّموا أي حجج لدعم الطرحين، فإن عددا من المحللين السياسيين يرون أن الانتصارات التي حققتها مجموعة فاغنر في أوكرانيا مقارنة بالخسائر الكبيرة التي مني بها الجيش الروسي حتى الآن جعلت قائد المجموعة يخرج شيئا فشيئا عن الدور الذي حدده له الرئيس بوتين منذ أن عهد له قيادة المجموعة التي تُعَدُّ أحد أجنحة الجيش الروسي. فبوتين لم يبخل عليه بالمال. بل إنه أقر بعد تطويق التمرد بأنه دفع للمجموعة عام 2022 قرابة مليار دولار. ويتمثل هذا الدور في التحرك بحرية في الساحات التي يُرسل إليها مقاتلو المجموعة مقابل معاملتهم معاملة أفضل بكثير من معاملة الجنود المنخرطين في الجيش الروسي. ولكن ما هو مطلوب من هذه المجموعة هو بالضبط ما يُطلب من أي مرتزق أي الالتزام بخريطة طريق وأهداف محددة من قبل الكرملين أي من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
إن تصاعد نجم بريغوجين لدى مقاتلي مجموعة فاغنر وسخاء النظام الروسي باتجاهه شخصيا كرجل أعمال مقرب من بوتين يتمثل دوره في أداء «المهام القذرة» وباتجاه مقاتلي المجموعة الذين أوتي بجزء كبير منهم من السجون الروسية جعله غير قادر على السيطرة على مزاجه العصبي في أكثر من مرة عندما شعر أن شعبيته المتنامية لدى مقاتليه وانتقاداته اللاذعة لوزير الدفاع وجنرالات الجيش الروسي المنتشر في أوكرانيا أصبحت عبئا ثقيلا على بوتين وعلى وزير الدفاع والجنود الروس المرسلين إلى جبهات القتال في أوكرانيا. وتقول تقارير كثيرة إن صبر قائد مجموعة فاغنر قد عيل بسبب أمرين اثنين أكدهما بنفسه هما الضربات الأخيرة التي طالت عناصر المجموعة من قبل الجيش الروسي في أوكرانيا والقرار الذي اتخذنه وزارة الدفاع الروسية يوم العاشر من شهر حزيران/يونيو الماضي والقاضي بإجبار كل المنخرطين الروس في جبهات القتال بأوكرانيا بمن فيهم عناصر مجموعة فاغنر على إبرام عقود معها. وهذا يعني أن وزارة الدفاع هي التي تدير الحرب وهي التي يجب أن تتبنى الانتصارات حتى إذا كانت هذه الانتصارات من صنع مقاتلي المجموعة لا من صنع جنود المؤسسة العسكرية الروسية. كل هذا أدى إلى غضب قائد مجموعة فاغنر واتخاذ قرار الاستحواذ على عدة قواعد عسكرية في جنوب روسيا والسطيرة لساعات عديدة على مدينة روستوف وهو في الطريق إلى موسكو.
هزيمة بوتين أكبر من نفي بريغوجين
حاول الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى جمهورية داغستان المنتمية إلى الفيدرالية الروسية أن يظهر بمظهر الزعيم القادر على تجاوز العقبات بثبات وإرادة قوية. فقد سعى إلى الاختلاط بالناس ومصافحة أياد كثيرة امتدت إلى يديه. وقال بوتين إنه «لم يشكَّ» في وقوف السكان الروس «إلى جانبه». ولكن الروس لم يخرجوا إلى الشوراع للتعبير عن هذه المساندة خلال التمرد وبعده. وثمة قناعة لدى المطلعين على واقع المشهد السياسي الروسي بأن إصرار بوتين على مصافحة الناس إنما يندرج في إطار خطة إعلامية ترويجية للرئيس الروسي الذي ضُرب في الصميم حتى وإن توصل إلى تطويق تمرد مجموعة فاغنر. وتقول المحللة السياسية الروسية تاتيانا ستونوفايا إن بوتين تأخر كثبرا في مواجهة المتمردين وأن زمام الأمور قد أفلت من بين يديه طوال يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر الماضي. ويرى محللون سياسيون أن الصورة التي بدت عليها روسيا خلال اليومين المذكورين تشبه إلى حد كبير صورة بلد من البلدان النامية الفقيرة التي تتمكن فيها مجموعات متمردة من حين لآخر من التحكم في مسار الأحداث لبعض الوقت. وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن روسيا وريثة ما كان يسمى «الاتحاد السوفييتي» أصبحت أقل بكثير من الحجم الذي ترغب في الظهور به على الساحة الدولية. وما يزيد في الطين بلة بالنسبة إلى بوتين أن زعيم التمرد سُمح له بالذهاب إلى بلاروسيا مع مجموعة المقاتلين الذين أشركهم في التمرد والاستقرار فيها بدل محاكمتهم باعتبارهم خونة فارين من القتال.
ولكن البعض يرى أن بوتين الذي أصيب بهزيمة لم يسبق لها مثيل منذ وصوله إلى السلطة عام 1999 تمرس بالآفات وأنه طويل النفس وقادر على الانتقام بشكل هادئ من «طباخه السابق» أي يفغيني بريغوجين حسب عبارة يستخدمها معارضو النظام الروسي لنعت قائد مجموعة فاغنر المنفي. ويضيف أصحاب هذا الطرح فيقولون إن بوتين يدرك اليوم أنه قادر على العثور على شخص آخر يحل محل بريغوجين لأن روسيا بحاجة ماسة إلى مجموعة فاغنر لفرض النفوذ الروسي في أفريقيا بشكل خاص ولمنافسة الصين الشعبية في استغلال ثروات أفريقيا الطبيعية ومنها الثروات المنجمية بعد أن ساءت صورة البلدان الغربية كثيرا في عدد كبير من البلدان الأفريقية. وإذا كانت الصين قد دخلت بقوة إلى هذه القارة بمهندسيها وعمالها ومساعداتها المالية لبناء الجسور والطرقات واستغلال الثروات الطبيعية، فإن ثروات أفريقيا الطبيعية أصبحت اليوم موردا من موارد الخزينة العامة الروسية مقابل الخدمات العسكرية أو شبه العسكرية التي تقوم بها مجموعة فاغنر لدعم أنظمة معينة أو أطراف معينة في نزاعات داخلية أفريقية. وهذه مثلا حال تدخلات المجموعة في ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى وفي الأزمة السودانية الحالية.
خيبة أمل الغرب الكبيرة
صحيح أن المخابرات الأمريكية توقعت التمرد الذي حصل في روسيا يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من شهر حزيران/يونيو الماضي مثلما توقعت من قبل الحرب الروسية في أوكرانيا. وصحيح أن قادة الدول الغربية تحاشوا التعليق على التمرد خلال حصوله حتى لا يجد الرئيس الروسي في ذلك ذريعة للحمل عليهم واتهامهم بالتدخل في شؤون روسيا الداخلية. ومع ذلك فإن الطريقة التي تعاملت من خلالها وسائل الإعلام الغربية طوال فترة التمرد القصيرة لم تخف أملا كبيرا تبلورت معالمه لدى هؤلاء القادة في أن تصدعا كبيرا قد حصل في روسيا وفي أن أيام بوتين باتت معدودة. ولكن الغرب يشعر اليوم بمرارة بعد أن عاد بوتين إلى الساحة السياسية ساعيا إلى تذكيرهم بأن الحرب في أوكرانيا قد تطول أكثر من اللزوم وبأن التحالف الغربي العسكري والاقتصادي والمالي ضد روسيا لم ينجح حتى الآن في كسر شوكة هذا البلد. بل إن سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي قلل كثيرا من شأن الهجوم الأوكراني المضاد الذي بدأ قبل أسابيع والذي يراوح مكانه. وقال في مؤتمر صحافي عقده سابقا في رد على سؤال يتعلق ببعض دروس تمرد مجموعة فاغنر: «لقد خرجت روسيا دوما أكثر صلابة وأكثر قوة من المصاعب. وسيكون الأمر كذلك هذه المرة».
“القدس العربي”

























