ملخص
مع إدراك النظام الإيراني لعدم قدرته على إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة، فإن الخيار الذي يملكه لجر واشنطن إلى مستنقع من الأزمات المستمرة يقوم على اعتماد دبلوماسية “عليَّ وعلى أعدائي”، حتى وإن أدت إلى دفع إيران نحو منصة الانتحار والفناء. بخاصة مع تزايد الإحساس بأنه بات يسير في قلب الهاوية، وتنطبق عليه مقولة “أنا الغريق فما خوفي من البلل”. لذلك فإن معادلات لا أمن لأحد إذا خسرت إيران أمنها، ولا اقتصاد لأحد إذ تعطل الاقتصاد الإيراني، ولا نفط لأحد إذا ما استمرت العقوبات والحصار على إيران، تشكل الاستراتيجية التي تعتمدها طهران في إدارة هذه الحرب.
بدأت السردية الإيرانية في تسويغ ما تقوم به من ضربات عسكرية على قواعد وأصول عسكرية أميركية تقع على أراضي دول مجلس التعاون الخليجي بالتفكك. وكشفت بوضوح عن حقيقة واحدة تحولت إلى استراتيجية ذات أبعاد متشعبة لدى النظام، تبدأ بمعادلة إما النفط للجميع أو لا نفط لأحد، وإما اقتصاد للجميع أو لا اقتصاد لأحد، وإما استقرار للجميع أو لا استقرار لأحد.
وعلى رغم كل رسائل الطمأنة وتأكيد علاقات الأخوة وحسن الجوار التي أعلنتها باتجاه دول الجوار العربي في الخليج، فإن القيادة العسكرية التي باتت تمسك بكل مستويات القرار السياسي والأمني والاقتصادي في إيران حاولت منذ اللحظة الأولى لردها على الهجوم الأميركي – الإسرائيلي الفصل بين علاقات حسن الجوار مع هذه الدول والقواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيها، من خلال محاولتها وضع تعريف جديد ومختلف لمفهوم سيادة هذه الدول، واعتبار أن أي وجود خارجي، سواء سياسي أو أمني أو عسكري، أينما وجد واستقر، لا علاقة له بهذه السيادة، بالتالي حولته إلى هدف عسكري تقوم بضربة بما يخدم هدفها لتحويل المعركة إلى حرب مفتوحة على جميع المستويات والجبهات والجهات، من دون أن يكون لهذه الدول الحق بالاعتراض على هذا الفعل أو الدفاع عن نفسها والرد بالمثل.
الدول الخليجية التي مارست أعلى مستويات ضبط النفس واستيعاب هذه الأزمة التي تستهدف سيادتها على أراضيها وحقها في الدفاع عن النفس، سعت في المقابل إلى إيصال رسائل للجانب الإيراني بخطورة ما يقوم به من عمليات عسكرية، وإمكان أن تتوسع إلى مستويات لا يرغب فيها أي من الأطراف، بخاصة في ظل رفض قيادات هذه الدول الانسياق وراء الرغبات الأميركية لتوريطها في حرب لا علاقة لها بها، وتشكل تهديداً جدياً وكبيراً لمصالحها.
ومقابل إرادة قادة الدول الخليجية في رفض التصعيد وقطع الطريق على إمكان توسيع دائرة الحرب والمواجهة بصورة تصعب السيطرة عليها. تمارس القيادة الإيرانية والمؤسسة العسكرية مزيداً من الخطوات الاستفزازية، من خلال توسيع عمليات استهدافاتها تحت عنوان “ضرب الأصول الأميركية العسكرية في هذه الدول”، لتتحول إلى اعتداءات واضحة على أمن واستقرار هذه الدول الداخلي والإقليمي، بعدما وسعت طهران دائرة هذه الاعتداءات لتطاول كثيراً من المراكز المدنية والاقتصادية.
قد يكون، أو قد تملك السردية الإيرانية مؤيدين لها في بعض الأوساط، لتسويغ هذه الاعتداءات انطلاقاً من اتهام هذه الدول بالانحياز كونها تستضيف عديداً من القواعد الأميركية وتشكل منطلقاً للعمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، إلا أن جانباً أو بعداً نفسياً غير معلن يحكم السردية الإيرانية بعيداً من التسويغات العلنية والمباشرة، ويرتبط ويعود إلى تراكم تاريخي من التنافس السياسي والاقتصادي بين إيران وهذه الدول في العقود الأخيرة، ويؤدي دوراً رئيساً في خلفية النظرة الإيرانية إليها، ويدفع طهران للذهاب في التصعيد الأمني والعسكري ضدها بما يخدم هذه العقدة النفسية المركبة.
وليس كلام وزير خارجية إيران السابق محمد جواد ظريف الأخير سوى تعبير عن هذا التراكم والاتهام المباشر لهذه الدول بالتآمر على إيران في محاولة لتسويغ الاعتداءات التي تقوم بها بلاده ضد عمق وسيادة هذه الدول. وهذه الاتهامات توزعت بين القول إن هذه الدول استعانت بأطراف خارجية لمواجهة إيران، وإنها عملت على إسقاط الاتفاق النووي مع السداسية الدولية، وصولاً إلى اتهامها باعتماد استراتيجية “قطع رأس الأفعى” وإسقاط النظام في إيران، إضافة إلى رفضها كل محاولات التقارب والمشاريع الأمنية المشتركة التي طرحتها طهران في السنوات الماضية للأمن الجماعي وإدارة مضيق هرمز.
وكثيراً ما حفلت الأديبات السياسية الإيرانية بنظرة حاسدة وهي تراقب ما حققته هذه الدول من تقدم في العمران والازدهار والموقع السياسي والاقتصادي على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولم تستطع هذه الأدبيات الخروج من نظرتها إلى المنطقة الخليجية على اعتبارها مجرد “خيمة وجمل”. حتى إن عديداً من السياسيين الإيرانيين لم يبذلوا أية محاولة في إخفاء نزعتهم لضرب هذه التجربة التنموية وإعادة هذه البلدان إلى سابق عهدها قبل الطفرة التي حققتها.
فإيران ما بعد الثورة، لا ترى أن ما تعانيه من حصار وعقوبات، هو فقط نتيجة الصراع الذي فتحته مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على خلفيات وأسباب متعددة تختلف باختلاف طبيعية الصراع الذي حكم كل مرحلة من مراحل ومحطات العقود الأربعة الماضية، بل أيضاً نتيجة ما قامت به الدول الخليجية من دور في وارثة دورها وموقعها في التجارة والاقتصاد العالمي، بخاصة في معادلات الطاقة، إذ استطاعت تشكيل البديل لإيران في هذه القطاعات نتيجة تعميق تحالفها مع الولايات المتحدة.
وانطلاقاً من هذه العقدة التاريخية المتراكمة، ترى طهران أن الفرصة باتت سانحة أمامها لضرب هذه التجربة، من خلال استغلال الحرب المفتوحة بينها وواشنطن، ومن خلال التذرع بوجود القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، لتوجيه ضربة مؤلمة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء من أجل القضاء على المسار التنموي الذي أصبح ظاهرة اقتصادية على المستوى العالمي.
من هنا، فإن لجوء طهران إلى استخدام ورقة مضيق هرمز وتعطيل التدفق الطبيعي لسلاسل الإمدادات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب إمدادات الطاقة من نفط وغاز، يأتي في سياق تصعيد الضغط والاستهداف لهذه الدول تزامناً مع استمرار الضربات والاعتداءات ضد القواعد العسكرية والأصول المدنية والاقتصادية وإمكان توسيع دائرتها بذريعة استهداف المصالح الاقتصادية الأميركية، سواء كانت مصالح مستقلة أو بالشراكة مع جهات من هذه الدول، رسمية أو خاصة. مع معرفة طهران أن أية مصالح استراتيجية في أية دولة هي مصالح مركبة بين الشركات الداخلية والشركات الدولية، بخاصة الأميركية. بالتالي فإن هذه الذريعة تشكل الغطاء لطهران لاستهداف اقتصادات هذه الدول.
والهدف البعيد والاستراتيجي الذي تسعى إليه القيادات السياسية والعسكرية في النظام الإيراني، يقوم على أساس إعادة رسم البعد الجيوسياسي لسواحل الخليج العربية، وألا يكون وجود هذه الدول ودورها وتأثيرها في حساب عزلة إيران وحرمانها من الاستفادة من موقعها الجيوسياسي الحاكم، في رسالة إلى المجتمع الدولي بأن طهران على استعداد لإدخال النظام الدولي في أزمة عميقة ما لم يأخذ في اعتباراته دور وموقع ونفوذ إيران في المعادلات الإقليمية والدولية.
من هنا يأتي المسعى الإيراني لإعادة تعريف موقع وأهمية مضيق هرمز في معادلة النفوذ، في محاولة لتعويض ما خسرته في العقود الماضية، بخاصة بعد النهضة العمرانية التي شهدتها دول الخليج العربية بحماية أميركية ودولية، وزاد هذه العقد النفسية تفاقماً عام 1981 الذي شهد تأسيس مجلس التعاون الخليجي، إذ رأت فيه طهران محاولة لإخراجها وعزلها عن أية منظومة أمنية مشتركة في الإقليم، بالتالي باتت هذه الدول تشكل تهديداً مباشراً لها.
ولم تجد إيران وسيلة لمواجهة هذه المخاوف سوى الذهاب إلى عقيدة استراتيجية تقوم على أساسين: الأول تعزيز قدراتها العسكرية والردعية. وثانياً توسيع نفوذها من خلال بناء شبكة أذرع أمنية وعسكرية واقتصادية في الإقليم. وحالياً أضافت بعداً جديداً، وهو ضرب مسارات إمداد الطاقة والعصب الاقتصادي الإقليمي والدولي، سواء عبر مضيق هرمز، أو مضيق باب المندب، أو استهداف لكل الطرق البديلة التي عملت دول الخليج على بنائها في العقود الأخيرة على سواحل الفجيرة الإماراتية أو السواحل الغربية للسعودية على البحر الأحمر.
وانطلاقاً من حسابات النظام القائمة على أن ما يقوم به هو من باب الدفاع عن النفس، وأنه لم يكن في يوم من الأيام الجهة التي بدأت الحرب أو العدوان، ما يجعله غير خاضع للمساءلة نتيجة ثقته المفرطة بقدراته العسكرية، فإنه يعطي لنفسه الحق باستهداف أي طرف أو جهة رداً على الهجوم الأميركي – الإسرائيلي عليه.
يضاف إلى ذلك أن النظام في إيران يرى في هذه الحرب فرصة لتوجيه ضربة مؤلمة لمنظومة الهيمنة الأميركية التي قامت على معادلة “البترو دولار”، والتي ستضع واشنطن أمام تحديات مصيرية لن تقف عند حدود البعد الاقتصادي الداخلي، بل ستؤثر سلباً في منظومتها الدولية في السيطرة والتأثير. إلى جانب أن تغيير هذه المعادلة سيسمح لطهران بمعاقبة الدول الخليجية التي استطاعت بناء اقتصاداتها وثرواتها الهائلة نتيجة تحالفها مع الولايات المتحدة عبر قاعدة كبيرة من الاستثمارات والتوظيفات المالية التي جنتها مع تراجع موقع إيران في الاقتصاد العالمي والحصار الذي فرض عليها. لذلك يأخذ مضيق هرمز أهميته في هذه النظرة الإيرانية، بما يشكله من مدخل لتغيير هذه المعادلة لمصلحة تعزيز التعامل باليوان الصيني على حساب الدولار، بعد فرضه كشرط لعبور هذا المضيق.
وبناءً على هذه النظرة، فان النظام في طهران لا يرى نفسه معنياً بأية تنازلات أو تسويات حالياً نتيجة رهانه على قلب المعادلات. وانطلاقاً من اعتقاده أيضاً أن أي تنازل أو قبول بالشروط الأميركية يعني العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب وما واجهه من حصار وعزلة وضغوط، وأن مسار التنازلات قد لا يقف عند ما قد تفرضه واشنطن، بل ستتعداه إلى تنازلات إضافية على المستوى الإقليمي لمصلحة الدول الخليجية.
مع إدراك النظام الإيراني لعدم قدرته على إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة، فإن الخيار الذي يملكه لجر واشنطن إلى مستنقع من الأزمات المستمرة يقوم على اعتماد دبلوماسية “عليَّ وعلى أعدائي”، حتى وإن أدت إلى دفع إيران نحو منصة الانتحار والفناء، بخاصة مع تزايد الإحساس بأنه بات يسير في قلب الهاوية، وتنطبق عليه مقولة “أنا الغريق فما خوفي من البلل”، لذلك فإن معادلات لا أمن لأحد إذا خسرت إيران أمنها، ولا اقتصاد لأحد إذا تعطل الاقتصاد الإيراني، ولا نفط لأحد إذا ما استمرت العقوبات والحصار على إيران، تشكل الاستراتيجية التي تعتمدها طهران في إدارة هذه الحرب.
- إندبندنت



























