يختلف العظمة عن بركات في أنه قصد بيروت شاباً، وبرز ضمن مجموعة مجلة “شعر” والحزب القومي، في حين أن بركات جاءها طفلاً في عمر العاشرة بعد وفاة والده. أخذته والدته إلى هناك، وبدأت تعمل كي تؤمن لأولادها تعليماً جيداً، ويبدو أن هذا العامل لعب دوراً مهماً في تكوين وعي بركات بطريقة مختلفة، عن بقية الرفاق في الحزب القومي، خصوصاً ما يتعلق بالدراسة، والكتابة، والعمل، والاغتراب. لم يكتب الشعر او ينخرط مباشرة في مجلة “شعر” التي كان يديرها يوسف الخال. بل ذهب في اتجاه الدراسة والعمل الأكاديمي، وبقي الأدب موازياً لذلك كله، وليس بديلاً أو رديفاً، ولذلك يبدو أنه عاش خارج يوميات الجماعة وطقوسها مع أنه ساجل معها من موقع مختلف في بعض الأحيان، حول قضايا تختص بكيانية وديموقراطية لبنان. وهذا أمر لم يكن سهلاً على كاتب شاب، في ظل السلطة والاغراءات التي كانت تمثلها مجلة “شعر” في أوائل الستينيات.
ما يلتقي فيه العظمة وبركات هو الصمت تجاه الثورة السورية، العام 2011، ضد النظام السوري. وبالنسبة إلى العظمة، لم تتأثر علاقته بالحزب بسبب الاغتراب الطويل، وحين عاد في مطلع الثمانينيات إلى بيروت، بدأ بعض النشاطات ضمن صفوف الحزب القومي رغم الانشقاقات التي شهدها، لكنه كان نقدياً تجاه الوضع السياسي في سوريا، ولم يُخف ذلك ضمن حلقات النقاش في أوساط المثقفين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين. ويشكل مخزون الذاكرة جانباً من موقفه من النظام السوري، فهو عاش تداعيات وانعكاسات اغتيال العقيد عدنان المالكي العام 1955 على الحزب، وما تلاها من ملاحقات ومحاكمات للقوميين. وكان على إطلاع من كثب، على دور النظام في شق الحزب، ومحاولات تحويله إلى جهاز، على غرار ما هو حاصل للأحزاب والمنظمات في سوريا.
أما بركات فلم يظهر أنه نشط سياسياً، وانخرط في الدراسة والتحصيل والبحث في ميدان العلوم الاجتماعية حول سوريا وفلسطين والمجتمع العربي، والكتابة الأدبية في وقت مبكر، وأصدر روايتين “القِمَم الخضراء”، 1956؛ و”ستة أيّام”، 1961 ومجموعة قصصية “الصمت والمطر”، 1958. وأكثر ما لفت الانتباه إليه هو روايته “ستة أيام” التي كتبها وصدرت قبل حزيران 1967 بستة أعوام، وتخيل فيها حرباً عربية إسرائيلية تدوم ستة أيام، وتنتهي بهزيمة العرب، وكانت بمثابة نبوءة. ومن بعدها واصل مشروعه الروائي، وأصدر عملين روائيين يُعدّان أساسيين في الكتابة الروائية العربية، هي “عودة الطائر إلى البحر” 1969، “طائر الحوم” 1988، وفي العام 2006 أصدر سيرته الذاتية في “المدينة الملوّنة”، التي استعاد فيها حياته البيروتية.
بقي بركات على مسافة من السلطات، وكانت مقالاته الصحافية تحمل نبرة نقدية عالية، وكان يرى التحولات السياسية في سوريا بعين عالم الاجتماع الذي يدرس ويحلل الظواهر في أسبابها ونتائجها. وقرأ من خلال المعاينة المباشرة، وخلال زيارات إلى منطقة الساحل السوري، ظاهرة التأييد وانعكاسها في سلوكيات المواطنين، وطرق التعبير عنها في الاحتفالات والأعراس، بما يتجاوز تملق السلطة، إلى امتهان الذات. وكان ذلك في بدايات تسلم بشار الأسد السلطة بعد وفاة والده العام 2000.
ويتقاطع العظمة وبركات عند مسألة أخرى، وهي ضعف الاهتمام النقدي بأعمالهما، على رغم الأهمية التي يمثلانها. ومع أنهما غير بعيدين عن الوسط الثقافي والإعلامي، إلا أن النقد لم ينشغل بهما. وقد يكون مردّ ذلك إلى عدم ايلائهما هذه المسألة الاهتمام الذي يتشكل داخل دوائر من العلاقات العامة. وانسحب عدم الاهتمام وتحول إلى عدم اكتراث إعلامي برحيلهما، ويبدو حظ العظمة أفضل بكثير منه عن بركات، فقد لقي رثاء من وزارة الثقافة السورية وبعض الأصدقاء في صفحات فايسبوك لأنه رحل في دمشق وحصل على قبر هناك، بينما ندر عدد الذين رثوا بركات، ولم تهتم الصحافة الثقافية بخبر رحيله إلا بعد أيام، إثر انتقادات لهذا التقصير في صفحات التواصل الاجتماعي. وباستثناء مقالات قليلة لم يلتفت الوسط الثقافي إلى هذا الرحيل في مأوى للعجزة في الولايات المتحدة.


























