رغم اعتبارها من «بلدان الساحل الأفريقي» فليس لدى النيجر منفذ بحريّ، وهو ما يجعلها بلدا «حبيسا» (مثل أفغانستان في آسيا). إضافة إلى ذلك فإن مساحة البلد الكبيرة (ما يعادل خمسة أضعاف مساحة بريطانيا) فإن الصحراء الكبرى تغطي قرابة 80٪ من إجمالي تلك المساحة، في حين تعاني الأجزاء الباقية مشكلات مناخية كالجفاف والتصحر، وهي تتمتع بعدد سكان كبير نسبيا (27 مليونا).
هذه الوصفة الجغرافية التي تجعل البلد أحد أفقر دول العالم وأقلها نموا، عصفت بها، بعد الاستقلال عن فرنسا، عام 1960، الوصفة السياسية الأمثل لاستمرار الفقر وقلة النمو والفساد في الداخل والتبعية للخارج: حكم العسكر.
بعد حكم مدني لحزب موال لفرنسا، جاء انقلاب عسكري عام 1974 وثّق العلاقات مع باريس، ليجيء بعده ضابط آخر في اتجاه أكثر اعتدالا ولكن بنظام أحادي الحزب أيضا وصولا إلى قيام حكم ديمقراطي، تحت ضغط المعارضة، عام 1990، فازدهرت الحياة السياسية وأقيم مؤتمر للمصالحة الوطنية، ورغم المشاكل الاقتصادية والعرقية حصلت أول انتخابات ديمقراطية حرة انتخب فيها رئيس ونال الطوارق حكما ذاتيا إلى أن أطاح جنرال جديد بها عام 1996، الذي أطاح به جنرال آخر عام 1999 عقبته انتخابات رئاسية أطاح بها انقلاب آخر، وصولا إلى ما سمي الجمهورية السابعة عام 2010 حيث انتخب رئيس جديد، ثم عام 2020 حيث انتخب الرئيس الحالي محمد بازوم، الذي أعلن أمس عن محاصرته في منزله من قبل الحرس الرئاسي.
إضافة إلى تأثير «المسألة الفرنسية» على السياسات المتعاقبة للنيجر، والنزاع العسكري مع الطوارق في الشمال، فإن كونها بلدا حبيسا، جعلها موضوعا للتأثر باضطرابات الإقليم، الذي يضم سبع دول: نيجيريا وتشاد والجزائر ومالي وبوركينا فاسو وبنين وليبيا، وإضافة إلى نزاعين حدوديين تاريخيين مع ليبيا وبنين، تشهد النيجر حاليا موجة من اللاجئين الهاربين من نيجيريا ومالي، ولكونها مجاورة لبلدان غير مستقرة بفعل الانقلابات العسكرية، فأنها تتعرض لضغوط الحركات الجهادية السلفية المسلحة، وكذلك لتهديدات مرتزقة شركة فاغنر، الموجودة في ليبيا ومالي وبوركينا فاسو.
تنتج النيجر 7٪ من مادة اليورانيوم في العالم، ومجمل أوضاعها السياسية والاقتصادية تفسّر الاهتمام الغربي الحالي بها، حيث زارها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، والتقى رئيسها بارزوم بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، وكان أحد الزعماء الأفارقة الذين حضروا تتويج الملك البريطاني تشارلز.
في حديث له مع صحيفة «الاندبندنت» الإنكليزية، قبل أشهر، تحدث بازوم عن المخاطر السياسية التي تتهدد بلاده، وعلى رأسها محاولات روسيا، عبر فاغنر، للتمدد في أفريقيا، وكذلك ضغوط الحركات السلفية المتشددة، كما للمخاطر المناخية التي تزيد الجفاف والتصحر، لكنّ بازوم، نسي في مقابلته المذكورة، أن يذكر الخطر الأساسي لأي تجربة ديمقراطية في «العالم النامي» المتمثل بالانقلابات العسكرية، والذي هو أشبه بمغناطيس ضخم يشدّ عناصر التطرّف والتبعية والفساد.
“القدس العربي”

























