دأب الشعراء قديما وحديثا على الأخذ من الكلام المألوف والكلام الشعبي؛ وهو يتمثل في رأي اللغويين مستوى أدنى من اللغة المحكية. وأكثر من ذلك فإن عناصر الكلام المألوف يمكن أن تجري في الكلام الشعبي وليس العكس. و«الشعبي» أقل صحة وضبطا من «المألوف» إذ يجري عادة على ألسنة العوام الذين لم يرزقوا حظا وافرا من المعرفة ومن الكتابة.
وهو يتخذ أحيانا ميزة خاصة مردها إلى استعمال الكلمات «السوقية» أوحيرة أمل بهاء المريالبذيئة» أو «المبتذلة». لكن شتان ما بين «الشعبي» عند العوام، و«الشعبي» عند الشاعر أو مغني «الراب»؛ فالعامي على قلق هذه الكلمة، يأنف عادة من التعبير عن المشاعر النزيهة (المترفعة) ومن إظهارها إذ يرى فيها علامة أنوثة وصبيانية، ويتقي انفعاله، كما يقول جيرود في مصنفه «لغة العوام» بأنواع من العنف والفحش يعتاض بها عن شعور بالضعف، والميزة الأسمى لديه هي أن تكون فظا غليظ القلب.
أما عند الشاعر أو قرينه المغني فـ»الشعبي» من «الكلام المستعار» الذي كان يُتخذ قديما وسيلة للنيل من المهجو والغض من شأنه وإذاعة مثالبه بألفاظ توسم بـ«الوضيعة» تجري من الشاعر مجرى «بديل انفعالي» ذي ميزة شفهية. وهي من ثمة تنقل الخطاب إلى مستوى الكلام «المملوك» المحكوم بسياق الغرض ومنطقه، وتوقفنا على أسباب «التهجين» اللغوي ودوافعه؛ خاصة في غرض مثل الهجاء مرده إلى انفعال المخاطب أو الشاعر من جهة، وإلى كونه قديما «صوت قبيلته» من جهة أخرى. وكلما كان انفعاله أشد، تمخضت التعبيرية لديه باستجلاب الشفهي، الذي يحل محل التنظيم الكتابي المحكم. والحق أن سلطان اللغة في الاثنين، وفي لغة مثل العربية الفصحى أو الفصيحة ترفعت منذ غابر الجاهلية عن لغة التخاطب اليومي، هو من سلطان شكل وراثي «تأسلي» ليس أكثر من عودة إلى طباع الأسلاف والتشبه بهم في الأخلاق والشمائل، أو وراثة الأفكار والتصرفات المتحدرة من الأجيال السابقة. وقد يبلغ الانفعال درجة قصوى يعجز التخاطب الكتابي عن أدائها، فيترجح الخطاب في الشفهي على قاعدة نوع من الترخيم أو الحذف، قد يكون نحويا وقد يكون «موسيقيا» وذلك بتأخير «النبر». ومن ثم تنوب الكلمات «الشعبية» أو «السوقية» مناب الكلمات الكتابية «القاصرة» وترد عليها قيمة الشفهي التعبيرية. ولعل المصطلح الأنسب هو «الكلمة الشفهية» فهذا اصطلاح جامع مانع يجنبنا الوقوع في أحابيل ثنائية ضدية لا سند لها، من وجهة نظر لغوية علمية؛ ونعني «شرافة» الألفاظ و«وضاعتها» إذ لا امتياز لكلمة على أخرى، ولا لحرف على آخر. ومن البديهي أن تنهض العلامة المكتوبة بهذا الاستبدال الذي يتحصل من محاكاة الشفهي، سواء في التركيب القائم على الحذف والإضمار والإيجاز، أو في المعجم المتنافر، حيث يجاور الشاعر بين فصيح وعامي ويملي على الثاني ما ليس من خاصة بنيته وتركيبه. والألفاظ «السوقية» في الشعر ليست كلها سوقية في ذاتها، وإنما في طريقة استعمالها.
وربما تحصلت محاكاة الشفهي في الصور الملتبسة المتداعية التي قد تكون متولدة عن ترابطات خاصة بين الانفعالات والمعاني، أو في غياب الفواصل أي لحظات الوقف بالمعنى الموسيقي أو الإيقاعي الراجع إلى الإنشاد.
على أنه ليس بالمستغرب أن يسم البعض هذه الألفاظ بالركاكة والسوقية، وأن يلحظ في الكلمة التي «تنكتب» الكلمة التي «تنقال» فالأمر راجع إلى تفاوت في مراتب الإنشائية، حيث يلابس العامي الفصيح، وإلى استهانة بأوضاع اللغة الشعرية وأعرافها، حتى لكأن هذا الشعر في أبيات منه كلام مترجم إلى الفصحى أو ما يشبه الفصحى. وتحضرني من الشعر القديم ونقده أمثلة غير قليلة؛ أقتصر منها على ما جاء في تعقيب الآمدي على قول أبي تمام في الرثاء:
إن ريْبَ الزمان يحسن أن يهديم
الرزايا إلـى ذوي الأحســـابِ
فلهذا يجف بعد اخضــــرار
قبل روض الوهادِ روض الـروابي
فقد اعتبر البيتين من ألفاظ أبي تمام «الركيكة السوقية، وعاداته السخيفة العامة، لأن من ألفاظ العوام أبدا أن يقولوا: يا فلان أنت تحسن أن تأخذ، ولا تحسن أن تعطي، وتحسن أن تعق، ولا تحسن أن تبر…» واللفظ الذي «قبح» في هذا الموضع، هو «يحسن» في البيت الأول، فلم تكن بالشاعر حاجة إليه، ولا إلى «فلهذا» في البيت الثاني. وقد عده الآمدي إشارة هجينة «لأنا قد كنا نعلم ما يريد بالتمثيل..» ثم ينهض الآمدي بـ«دور» الشاعر، ويصحح البيتين، بعد أن هذبهما من العامي السوقي: ولو قال:
إن ريب الزمان يهدي المنايا
والرزايا إلى ذوي الأحسابِ
فتكون المنايا مهداة إلى من أصيب، والرزايا إلى قومه، أو غير المنايا، فإن الألفاظ كثيرة. ولو قال: «إن ريب الزمان لن يهدي الرزايا» أو «إن ريب الزمان مجتهد يهدي الرزايا» ولو قال:»فتراها تجف بعد اخضرار «لكان أحسن..».
ثمة إذن تفاوت في صناعة الشعر أو مراتب الإنشائية، لا يمكن إلا أن نقر به. والسؤال: بم نفسره؟ وإلام نرد «كلام العامة» أو «كلام السوقة» عند الشعراء؟ ولصناعة الشعر أحكام غير أحكام صناعته في القراءة، وإكراهات غير إكراهاتها؟
ثمة قصائد كثيرة تتأدى في حيز هذا السجل الموسوم بـ»كلام العامة» عند الشعراء قديما وحديثا. والملحظ الأول الذي نسوقه على حذر، أن هذه النصوص تتعارض وإكراهات الكتابة، وتتصرف تصرف الكلام الشفهي؛ بما يمكن أن يمثل قطيعة وفسخ عقد وفصم رباط وأسلوبا «خلاسيا» أو نوعا من «سِفاح القربى» اللغوي في الخطاب، حيث سجل التنظيم الكتابي المطرد، أو المتسق نسبيا، يقاطعه سجل الشفهي ويخترقه. فإذا الخطاب منتظم في أسلوبين مختلفين متعارضين. ولكل منهما قوانينه الخاصة، وإذا الكلمة وقد لابسها الشفهي أشبه بصوت متقطع» تشرخه « تأثرية» حادة. وقد لا نعدو الصواب إذا اعتبرنا ذلك نوعا من انزلاق الكتابي، أو من جنوحه إلى الشفهي، حيث ينعطف الكلام وينثني ويرتد بعضه على بعض، أو عدولا خطابيا وانعطافا أسلوبيا يتنكب السبل المطروقة المعهودة.
لكن هذا الوصف على «رجاحته» لا يسلم من التناقض: فالنص المحكوم بهذه المشادة بين شفهي وكتابي، الموسوم بالابتذال والهراء والسخف والركاكة وما إليها من الأوصاف السالبة الحاطة، من منظور خصومه ينزع افتراضا إلى مناسبة «أفق التوقع» لدى المتلقي (الجمهور) ما دام يأخذ بـ«المشترك» اللغوي، أو بالكلام اليومي المحكي الجاري على ألسنة الناس. وفي ذلك دلالة على أن الخطاب الشعري يمكن أن يقترب من هذا الكلام، مثلما يمكن أن يبتعد. فإذا اقترب وأفرط في استخدام هذا المشترك ولبى حاجة الجمهور أو مالق تطلعه، فقد ينحدر به ذلك إلى التكلف والحذلقة والسماجة، ويجرده من قيمته الفنية أو الجمالية. أما إذا ابتعد، فإن العدول الشعري قد يسوق إلى عزوف القارئ أو المتلقي المضمر (الموجود بالقوة) عن الأثر، أو إلى صده ورفضه.
يقول حسين الواد متسائلا عن وجاهة التمييز بين الكلام الخليط الذي يصلح للقص والتعليم والإخبار والوصف، والكلام الذي يختص بالشعر؛ لأنه الكلام الشعر: «فهذا التمييز بين الكلامين، يجعل الحصول على الشعر إنما يتم بتخليص الكلام المصفى من الأخلاط التي تمازجه على النحو الذي تخلص به المعادن الجواهر مما يختلط بها وليس منها. ومتى صرفنا النظر عن اشتقاق هذا المفهوم من الكيمياء ولغة العلوم الفيزيائية وعما في سحبه على الكلام من أوجه الوهن، أسلم الأخذ به صعدا في مدارج النقاوة والصفاء إلى الصرخة ينطلق بها الصوت اندهاشا وطربا وتوجعا وإعلانا، في جميع الحالات، عن الوجود في الوجود، فالصرخة تتجلى وتعلن عن المصدر الذي انطلقت منه. وإذا كان بين الصرخة والشعر، أكثر من وشيجة نسب، فلأن الصرخة قد ترجمت إلى كلام. وبالتالي فإن ارتفاع الصوت بالكلام بدلا من الاكتفاء بالصرخة هو الأصل الذي ينبجس منه الشعر». ومن ثم يخلص إلى استنتاج وجيه مفاده «إن كل ما في اللغة صالح لأن يكون شعرا متى ناسب قوة انبعاث الصرخة وتحولها إلى كلام يحمل قوة الاندهاش والتعجب والاستكشاف.. وأن للساذج البسيط والمألوف والتافه والسمج والقبيح حظا من النقاوة والصفاء مرتبطا بالفعل الذي يصنع به الجمال على بشاعته. وما كان ليغيب على الشعراء الكبار على الأقل، أن لغة العوام والكلام العادي أو النابي مستقبح في الأشعار عند النقاد مستشنع. لكنهم مع ذلك، يوردونه في كلامهم ويحرصون أحيانا على قصده…. ويبدو أنهم يحملون على ذلك حملا لأن التافه والبسيط والساذج في تعلقه بالزائل والقشور لا يخلو من وظائف. وهي وظائف مرتبطة بضرورة أن يكون الشعر مشدودا إلى الوجود في مختلف مظاهره ومتعدد تجلياته».
كاتب وشاعر تونسي
“القدس العربي”

























