أنطاكيا – «القدس العربي»: قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده بصدد تسريع عملية “العودة الطوعية” للاجئين السوريين إلى بلادهم، في تصريح يؤشر إلى مضي أنقرة في التطبيع مع النظام السوري، وهو التوجه الهادف بالدرجة الأولى إلى حل ملف اللاجئين السوريين في تركيا.
وأضاف أن “تركيا لن تسمح بتحول سوريا إلى ملجأ للتنظيمات الإرهابية وساحة للحروب بالوكالة، وسنبذل الجهود من أجل منع ذلك، مشدداً على أن بلاده “لن تترك التنظيمات الإرهابية والقوى التي خلفها يغمض لها جفن في بلادنا”. وتابع الوزير التركي القادم من خلفية استخباراتية، بأن تركيا ستسرع من عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حسبما أوردت قناة “تي آر تي” التركية.
ويُعرف عن فيدان أنه مهندس مسار تطبيع العلاقات بين تركيا والنظام السوري، حيث أشرف على هذا المسار منذ بداياته عندما كان يشغل رئيس المخابرات التركية، وزار دمشق في صيف العام 2022، وفق وكالة “رويترز”.
لا حل بلا «لقاء مرتقب»
ويتزامن حديث الوزير التركي مع مواصلة السلطات التركية تنفيذ عمليات ترحيل اللاجئين السوريين القسرية من الولايات التركية المختلفة وخصوصاً إسطنبول إلى الشمال السوري. ويضع رئيس تجمع المحامين السوريين غزوان قرنفل تصريحات فيدان، في إطار القرار “النهائي” الذي اعتمدته السلطات التركية لحل ملف اللاجئين السوريين. ويقول لـ”القدس العربي” إن السلطات التركية اتخذت قراراً نهائياً بتصفية ملف اللاجئين خلال مدة لن تتجاوز الأربع سنوات، بحيث لن يتجاوز عدد السوريين المتبقين في تركيا حاجز نصف مليون سوري. وأضاف قرنفل أن تنفيذ ذلك يستوجب اتخاذ إجراءات تضييقية أكثر وإطلاق حملات ترحيل أشمل وأوسع نطاقاً لتحقيق الغاية، وقد تقتضي الأمور في بعض الاحيان رفع وتيرة عمليات الترحيل.
أما الكاتب الصحافي أحمد طالب الأشقر، فيقول “إلى جانب تنفيذ الوعود الانتخابية التي قطعها اردوغان للناخبين وللشعب التركي بحل مشكلة اللاجئين والهجرة غير الشرعية، على ما يبدو هناك أجندة غير معلنة بين أنقرة ودمشق تنفذ بنودها بتسارع كبير، ويدلل عليها تصريح وزير الخارجية الذي وضع حجر أساس التطبيع بين أنقرة والنظام السوري”.
وكان الصحافي التركي المقرّب من حزب “العدالة والتنمية” عبد القادر سيلفي قد اعتبر في مقال نشره في صحيفة “حرييت” التركية، أنه لا يمكن حل ملف اللاجئين بدون اللقاء المرتقب بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، وقال إن “هذا اللقاء يهدف إلى ضمان عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بأمان”. ويضيف الأشقر لـ”القدس العربي” أن “كل ما يتم التصريح به على وسائل الإعلام حول العودة الطوعية، هو مغالطة كبيرة تهدف إلى تجييش مشاعر اللاجئين السوريين لإثارة قابلية الاستعداد للعودة طوعاً أو قسرياً، وتحشيد رأي عام تركي لسان حال الحكومة فيه نحن ننجز ما وعدنا به بخطى ثابتة وسريعة”.
وقبل يومين، أكد وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، أنه تمت إعادة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري إلى سوريا، مضيفاً: “نتيجة الخدمات التي وفرناها للشمال السوري، عاد ما يزيد عن 500 ألف سوري إلى بلادهم طوعياً وبأمان”. من جانبها، كشفت جمعية اللاجئين في تركيا، أن عدد اللاجئين السوريين انخفض إلى 3 ملايين و264 ألفاً و508 نسمة، بعدما كان يبلغ أكثر من 3 ملايين ونصف المليون نسمة، موضحة أنه في شهر تموز/يوليو، انخفضت أعداد السوريين بمقدار 25 ألفاً و774 لاجئاً، عن شهر حزيران/يونيو.
مخيمات منسية
في جولة لوكالة فرانس برس على مخيمات عدة في شمال سوريا، تشكو رحمة الحمود من ظروف معيشية صعبة مع شحّ المساعدات وسوء الخدمات ودرجات حرارة خانقة تحوّل يومياتها إلى جحيم، كما هي حال عشرات آلاف النازحين في مخيمات عشوائية منسية.
وتضمّ مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية، خصوصاً في محافظتي الرقة (شمال) والحسكة (شمال شرق)، عشرات المخيمات العشوائية التي تؤوي مدنيين فروا من مناطق عدة على وقع المعارك بين أطراف مختلفة من النزاع السوري المتواصل منذ العام 2011. وتشرح الحمود (33 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال قتل والدهم في الحرب، لوكالة فرانس برس وهي تقف أمام خيمتها، “يمرض أطفالنا بشكل متكرّر، يعانون من حرارة وحالات إسهال وتقيّؤ، الخيمة حارّة جدا ولا نستطيع الجلوس داخلها في فترة الظهيرة”. وتتابع “المساعدات قليلة والمنظمات لا تعترف بهذا المخيم. لو كانت تساعدنا كل شهرين أو ثلاثة، لاستطاع الناس العيش” بشكل أفضل.
في المخيم اليوناني حيث تعيش والذي اكتسب اسمه من مطعم يحمل الاسم ذاته على ضفاف نهر الفرات عند أطراف مدينة الرقة، تتعالى أصوات أطفال يركضون بين خيم مهترئة تحت أشعة شمس حارقة. وتنقل نساء المياه في أوعية تملأها من صنبور في باحة المخيم، فيما تنهمك طفلة بغسل الأطباق قرب خزان مياه. وتحوي محافظة الرقة التي شكّلت المعقل الأبرز لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، قبل دحره منها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، العدد الأكبر من المخيمات العشوائية، وفق الإدارة الذاتية الكردية.
وتقول الحمود التي تعمل وأولادها الثلاثة كأجراء مياومين، “كلمة منسيين قليلة لوصف الظروف التي نعيشها في المخيم”. وتضيف “نحن منسيون بشكل كامل: لا مواد تنظيف والخيم مهترئة، تدخل الشمس منها” بينما تتجاوز درجات الحرارة عتبة الأربعين.
وتكاثرت شيئاً فشيئاً مخيمات النازحين الفارين من المعارك الدامية في البلاد على وقع النزاع وتوسعه من منطقة إلى أخرى. في شمال غربي البلاد الخارج عن سيطرة النظام، ينتشر أكثر من ألف مخيم نظامي وعشوائي لنازحين يعتمدون بشكل أساسي على مساعدات المنظمات الدولية العابرة للحدود. في مناطق سيطرة الأكراد (شمال وشمال شرق)، يشير مسؤول المخيمات والنازحين لدى الإدارة الذاتية شيخموس أحمد إلى وجود عشرات المخيمات العشوائية بالإضافة إلى 16 مخيماً نظامياً، بينها مخيما الهول وروج الذائع الصيت كونهما يؤويان أفراداً من عائلات تنظيم “الدولة”.
وتراجع الدعم الذي كان يصل إلى تلك المنطقة منذ إغلاق طريق المساعدات العابرة للحدود قبل ثلاث سنوات. وإن كانت كميات أكبر من المساعدات تصل إلى المخيمات النظامية التي تعمل فيها منظمات محلية ودولية، فإن المخيمات العشوائية تشهد أوضاعاً معيشية صعبة جراء قلّة المساعدات وانتشار الأمراض ونقص المياه. وتقول تانيا إيفانز من منظمة الإغاثة الدولية إن المخيمات العشوائية في شمال شرق سوريا يمكن اعتبارها “منسية”، مشددة على ضرورة زيادة الاهتمام بها، وتمويلها والدفع نحو جهد مستدام تجاهها من المجتمع الدولي. في مخيم سهلة البنات عند الأطراف الشمالية الشرقية لمدينة الرقة، توجد كوم من البلاستيك والحديد تباع عادة لسيارات خرضوات تجوب المخيم القريب من مكب نفايات.
«فشل مجلس الأمن في سوريا»
وقالت منظمة “أطباء بلا حدود” غير الحكومية في بيان الثلاثاء إن عدم تجديد مجلس الأمن قرار نقل المساعدات عبر معبر باب الهوى إلى شمال-غرب سوريا “فشل لا يمكن تبريره”، ودعته لإيجاد حل عاجل يضمن وصولها. وقالت إن “عدم تجديد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار نقل المساعدات الإنسانية الضرورية عبر الحدود إلى شمال – غرب سوريا (معبر باب الهوى) يشكل فشلًا لا يمكن تبريره”. ونقل البيان عن رئيس بعثة المنظمة في سوريا سيباستيان غاي قوله إن “صلاحية القرار انتهت منذ شهر، ولا حلول على المدى المنظور”.
وأضاف “إنه لأمر مؤسف بالفعل أن تستعمل المساعدات الإنسانية كأداة في النزاع السياسي، فيما يدفع السكان الذين يعانون الأمرّين في شمال غرب سوريا ثمن هذا الإخفاق”. ويقطن نحو ثلاثة ملايين شخص، غالبيتهم من النازحين، مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) في محافظة إدلب، بينما يقيم 1,1 مليون في مناطق الفصائل الموالية لأنقرة المحاذية في شمال حلب. ويحتاج غالبية سكان تلك المناطق المكتظة بمخيمات النازحين مساعدات ملحة بعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي وتفشّي الأمراض وفقر متزايد فاقمه الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في شباط/فبراير.
ووفقاً لبيان منظمة أطباء بلا حدود “يحوْل عدم تجديد القرار دون استمرارية وصول المساعدات إلى المنطقة ويساهم من دون شك في تعزيز عزلة شمال غرب سوريا”. وبحسب المنظمة سيحد ذلك من قدرة المنظمات على الاستجابة ويعرقل جهودها. وحضت المنظمة مجلس الأمن على “إيجاد حل عاجل يضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى شمال غرب سوريا بشكل محايد وغير مُسيّس ومستدام”.
وفشل مجلس الأمن الشهر الماضي في الاتّفاق على تمديد الآلية الرئيسية بإدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى، بعدما استخدمت موسكو أبرز داعمي دمشق، حق النقض (الفيتو) لمنع تمديد العمل بالتفويض لتسعة أشهر. وتسمح آلية أنشئت عام 2014 للأمم المتحدة بإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكّان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا دون الحصول على موافقة الحكومة السورية التي تندّد من جهتها بهذه الآلية وتعتبرها انتهاكا لسيادتها.
“القدس العربي”


























