لم تكن هناك مبالغة في القول أن الشرق الأوسط سيكون مختلاً بلا سوريا، فذلك مما بدا دوماً على أنه من دروس الجغرافيا السياسية، وعناصر تشكل هذه المنطقة، وأسسها الحضارية، وثوابت القوة والعراقة فيها. وما يهم هنا، أن سوريا المؤثرة، هي سوريا التقليدية، بشعبها، وجغرافيتها، وديموغرافيتها، وخرائط مدنها تاريخيا وبشريا وحضاريا، ومرجعيات أهلها، وثقافتهم وهوياتهم الفرعية، وتنوعهم، وانسجامهم مع المكان ومواريثه بعيدة الامتداد.
سوريا التقليدية، حظيت بهذه الأهمية والتأثير، على أساس صيغتها وسياقها ومكوناتها وتنوعها وهويتها القومية والدينية والطائفية، ولم يكن للعبث بهذه الهوية وتفرعاتها، من نتيجة سوى المسخ، الذي لا يكون بعده من مكان ولا مكانة، بل مجرد جغرافية متوترة، وكيان مشوه، وملامح باهتة ممسوخة، لا علاقة لها بما نعرفه أو نتوقعه.
بذلت إيران جهدا استثنائيا لمسخ سوريا، وشاركها البعض، وسكت عنها آخرون، ولم يكترث أي من هؤلاء، بمصير سوريا البلد، أو سوريا الشعب، وكان هدف الإيرانيين وأذرعهم، يتجاوز دمج سوريا جيوسياسياً بالمحور الإيراني، إلى جعلها امتدادا سكانيا وطائفيا وفكريا لإيران، ولذلك لم تكتف طهران بالدفاع عن النظام في دمشق كحليف استراتيجي، بل بخلق تحول جوهري في البناء الديموغرافي والإثني في عموم البلاد، وبناء قواعد نفوذ تشبه ما لديها في العراق ولبنان، وحينها لن تكون مضطرة للتدخل المباشر، وستكتفي بجهود الأذرع التي ستتركها تعمل كدولة داخل الدولة، كما هو حال نظرائها في المنطقة.
سعت إيران لكتابة مستقبل جديد لسوريا، بعد قطعها عن تاريخها ذي العمق الأموي الايوبي العربي، وما زالت تعمل على ذلك، وقامت بكل (ما يلزم) للقضاء على من يقاوم ذلك، وتكفل حزب الله اللبناني بالتدخل المباشر واسع النطاق لتنفيذ هذا المسعى، وجرّ معه لبنان الرسمي إلى موقف المساند للنظام والمناوئ للثورة، وإن إدعت بيروت الحياد، وكان على لبنان بكامله أن يكون أول من يعاني من آثار تداعي سوريا، ليس بصورة مشكلة اللاجئين والخلل الأمني والاقتصادي والسياسي حسب، بل بالتحول الممسوخ ذاته، الذي يراد لسوريا.
كأنها كارما سورية، باتت تتنقل عبر الأرجاء، ويمكن أن تصيب الجميع، لكن بدرجات مختلفة وتوقيتات غير متزامنة، فهي تتفاعل اليوم في لبنان، وقبلها في تركيا، وكان لها أثرٌ في الأردن، وفي العراق، ولن تبتعد عن الخليج ودوله. وليس سببها متعلق بالضرورة بالتورط المباشر في الأزمة السورية، لكن يكفي أن تصمت على ما حدث خلال 12 عاما من الثورة، أو أن لا تحاول على الأقل إنقاذ البلاد من حملات التغيير الطائفي والسكاني ودفع الملايين للهجرة، وبناء دولة تابعة لروسيا وإيران، والاكتفاء بالتفرج على قيام الأخيرة بالاستيلاء على مدن بأكملها، وتحويل عاصمة العروبة دمشق إلى وكر إيراني، وسرادق كبيرة مفتوحة لمجالس العزاء الحسيني كما لم يحصل من قبل طوال تاريخ هذه المدينة.
في هذه الطقوس، لن يكون مهماً وجود شحن روحي من أي نوع، فالمهم هو تكريس معالم النفوذ والحضور الإيراني في المشهد، هو نمط من الإعلان الفظ عن سوريا الممسوخة، وحينما يصمت أهلها، كما الجميع من حولها، فالخطوة التالية ستكون البناء على الكيان المسخ ليستحيل إلى بناء متكامل متخيل كما يريد الإيراني.
وبطبيعة الحال، فكل ذلك لم يجر بهدوء، بل على رؤوس الاشهاد، ببراميل متفجرة، وقنابل كيمياوية، ومجازر مباشرة متصلة، ومقابر جماعية لا حصر لها، واعتقالات، وتعذيب، وتهجير للناس بالملايين، وإفراغ مدن أو تدميرها، واستقدام سكان وتوطينهم، جرى ذلك عبر إخضاع من لم يتعرض للنفي، واذلاله، وجعله يصمت على كل شيء، حتى يستحيل إلى كائن يحتقر نفسه، أو يتحول إلى ما يريده الإيراني ليقنع نفسه على الأقل أنه قد اختار مصيره بـ (إرادته).
كل ذلك لم يبقِ من سوريا التي نعرفها الكثير، ولم يعد واقعيا أن يتوقع منها جيرانها ما توقعوه من قبل، إيران حولت سوريا إلى مسخ، يحكمه رئيس دمية، وتلاعبت بكل مفاتيحها، على أمل أن تسيطر على الجغرافيا الاثمن في المنطقة، لكن المسوخ لن يكونوا أبداً اسوياء أو حتى طيعين، وهم لن يتعاملوا ابدا مع ما حولهم على أساس ميراث التاريخ ودوافع الجغرافيا، والثقافة الاجتماعية، فذلك يحصل فقط مع البلدان الطبيعية، لكن في الحالة السورية، ينبغي أن تكون هناك توقعات جديدة، وأن يستعد الجميع لدورة من الاضطراب والأذى المتصل، ولن تنتهي قبل أن يتوقف هذا العبث التاريخي بسوريا، وهذه السلبية في التعامل مع كل ذلك.
“المدن”

























