مراجعة: ريتا فرج
المستقبل –
في مقاربته للأصوليات الدينية وغير الدينية، يقدم خالد غزال في كتابه "وجهاً لوجه مع الفكر الأصولي" الذي قٌسم الى مقدمة وخمسة فصول، مشهدية خاطفة لهذه الظاهرة، اعتمد فيها على المنهج التاريخي والاستقرائي في آن، وخرج منها بالسمات المشتركة في ما بينها: عدم الاعتراف بالآخر، معاداة الديموقراطية، إستخدام العنف، أحادية الرؤية، وأخيراً الاصطفائية؛ يبدأ الكاتب في تعرية الايديولوجية النازية المتأسسة على نظرية العرق الصافي الجرماني، والنيتشوية – نسبة الى نيتشه- الذي رأى أن الحرب من القوى الضرورية التي تحتاجها الطبيعة من أجل أن تنمو وتتجدد ، وموقع الزعيم الإله، الذي احتل حيزاً أساسياً لدى الأصولية الفاشية، باعتباره المخلص والقائد. لكن الخاصية الثالثة التي اضمحلت في أوروبا بدءاً من الحرب العالمية الثانية، وجدت حضورها في الشرق مع التجربة الناصرية الشعبوية السابقة، والتي أقامت علاقتها مع الجمهور تحت شعارات لا تقيم اعتباراً للمطالب الحقيقية، كالمشاركة في ادارة البلاد والتعددية السياسية، مع العلم بأن معظم فئاتها هي من الأميين والطبقة الفقيرة، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المرتفعة بـ البروليتاريا الرثة أو بقاع المجتمع.
لا تختلف الأصولية الماركسية التي جعلت من المفهوم المادي للتاريخ مدماكاً نظرياً لها منذ بداية ثورتها البلشيفية عام 1917 وانهيار منظومتها الشيوعية اللاحقة عام 1991 بفعل إستراتيجيا رقعة الشطرنج الأميركية، عن النازية، وهنا يخلص الكاتب في رؤيته النقدية لنظريات كارل ماركس ولينين الى نتيجة مفادها أن المادية الجدلية أسقطت فهمها على كافة المجتمعات دون الأخذ بالمعايير والعوامل الأخرى، التي من شأنها إحداث التغيير المطلوب. على جبهة الأصولية العلمانية يستشهد غزال بأفكار محمد أركون الدائرة حول الفصل الحاد في الديني والسياسي في الغرب، وما آلت اليه من إقصاء الدين عن حياة الفرد والجماعات، من خلال تغييب فعاليته كمحرك يجيب عن القلق الذي يعتري البنى الاجتماعية، فالنظام التعليمي في فرنسا على سبيل المثال كما يشير أركون " يعالج الأحداث المرتبطة بالحروب الصليبية، لكنه لا يأخذ بالاعتبار الدين كأحد العوامل التي تتحكم بالوجود الفردي والجماعي للبشر".
بعد قراءته للأصوليات اللادينية، ينتقل غزال الى نظيرتها في الديانات التوحيدية أو الابراهيمية، ويستهلها بالحركة الصهيونية التي توظف النص التلمودي لصالح مشروعها السياسي، والتي تعتبر من أشد التيارات الدوغمائية عنفاً وتصلباً، فالتعرف على سياقاتها الدينية والسياسية، يكشف عن عدة معطيات، أولها، إصطفاء الله لبني إسرائيل؛ ثانيها، إحتكار الرؤية الدينية لله والوجود؛ ثالثها، أسطورة أرض إسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل؛ ولكن المفارقة في الأصولية اليهودية إدخالها الرب المحارب أو إله العنف التوراتي في إطار أهدافها السياسية، وهي عموماً لا ترى في الأغيار أو ما تطلق عليهم مفهوم "الغوييم" إلاَّ مجموعة من البرابرة، وبذلك تلتقي مع النازية في إصطفاء الجنس البشري.
يمثل الحق الإلهي في السلطة أولى البدايات التاريخية للأصولية المسيحية، وقد أدخل هذا الفهم، أوروبا في حروب دينية مدمرة أدت لاحقاً الى فصل الدين عن الدولة، وتحجيم دور الكنيسة في التدخل في الشؤون السياسية العامة، لكنها عادت الى صحوتها مع الصهيونية/ المسيحية وحروبها المقدسة المتفاقمة على مقياس صعود المحافظين الجدد في عهد بوش الإبن، الذي دعا الى غزوة صليبية جديدة لديار الإسلام، إثر صدمة الحادي عشر من أيلول 2001؛ في هذه اللحظة وصلت الأصوليتان المسيحية والإسلامية الى ذروة صراعهما على إيقاع الجهاد العالمي، وتقسيم العالم وفقاً للنظرية المانوية، وهنا يستعرض الكاتب أهم الأسس التي انطلقت منها الأصولية المسيحية سياسياً ودينياً، ويقارن بينها وبين الأصولية الإسلامية، خاصة ما يتعلق بموقفها من الحرب العادلة والمرأة ونبذ المدرسة الداروينية والاجهاض.
رغم حضور المعطى الديني في الغرب وتوظيفه في المراحل التاريخية الحرجة، إلا أنه ما عاد مؤثراً في الحياة السياسية العامة، كما هو الحال في الشرق الذي يعاني من ثقل الأصولية الإسلامية منذ سقوط الخلافة وما تلاها من هزائم عسكرية بدءاً من حزيران عام 1967 وتراجع المشروعات القومية واليسارية، وكنتيجة لهذا الفراغ طرح شعار " الإسلام هو الحل"، كما لو أن مجتمعاتنا تسير عكس التيار، وفي هذا السياق يفند الكاتب الفكر الأصولي الإسلامي وتجربته السياسية المنقوصة، بسبب فشله في إحياء الخلافة السنيِّة المنشودة أو حتى الإمامة الشيعية المأزومة في إيران، والحال يُحيلنا ذلك الى ما توصل اليه أوليفه روا حول عودة الأصولية الإسلامية الى نوع من السلفية الجديدة من خلال أسلمة المجتمع من جديد عبر القاعدة الجماهيرية وليس عبر الدولة.
في الفصول الأخرى من الكتاب، يتطرق غزال الى الخلاصات التي تقدم بها رواد الاتجاه العقلاني في الإسلام بدءاً من المعتزلة وابن رشد وابن خلدون والشيخ علي عبد الرازق، مروراً بطه حسين ومحمد أحمد خلف الله، وصولاً الى نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، وهو أراد بذلك التأكيد على مسألة أساسية أن المشروع العقلاني جوهر ثابت في إسلام النص والتاريخ، رغم تشابكه المستديم مع الأصولية الإسلامية.
قصارى القول إن الأزمة التي تعيشها الدوائر الحضارية في مراحلها المختلفة هي التي أنتجت حراكاً متصاعداً للأصوليات الدينية وغير الدينية، وإلاّ ما معنى حضورها اللافت في الحقبات الانتقالية؛ لكن الخاصية الأساسية التي تجمعها، رفضها للنقد العقلي، وقيامها على أساس النظرة الخلاصية في حل الإشكاليات المجتمعية، وهذه أسطورة الأساطير.
[ الكتاب: وجهاً لوَجه مع الفكر الأصولي
[ الكاتب: خالد غزال
[ الناشر: دار الطليعة، بيروت، 2009







