الحلقة الثانية الاخيرة من مقالة جيمس تروب حول ظروف نشأة اللوبي الاسرائيلي الجديد في الولايات المتحدة.
يُطرح هنا سؤال عن آفاق "جاي ستريت". هل من الأفضل لمجموعة ضغط أن تمثّل القلة الشديدة الحماسة أم الأكثرية غير المتحمّسة؟ تعرف الجمعية الوطنية للبندقية الجواب عن ذلك السؤال. يشير مسؤول في الإدارة الأميركية معني بشؤون الشرق الأوسط إلى أن أيباك تشجّع على مناصرة قضية واحدة. ويلفت إلى أن تحويل نسبة الـ92 في المئة الأخرى قوة سياسية فاعلة سيكون "مهمة كبرى وطويلة الأمد وشاقة". ويضيف "لست واثقاً من أنه يمكن القيام بها".
قد يكون التحدي الأصعب المطروح على "جاي ستريت" تحسين مكانة ما يسمّيه بن عامي الموقف "الموالي لإسرائيل والموالي للسلام" في كابيتول هيل. في كانون الثاني الماضي، ساعدت "جاي ستريت" على ترويج قرار أعدّه النائب عن مساتشوستس، بيل ديلاهونت، يتضمّن مديحاً للإدارة الأميركية على تعيينها جورج ميتشل – يقول بن عامي إنها وسيلة للسماح للمشترعين الذين شعروا بأنهم مرغمون على توقيع قرار غزة بـ"القيام بشيء إيجابي". في أواخر أيار، حظيت رسالة وضعتها أيباك للطلب من الرئيس أوباما بأن يحرص على أن تبقى أميركا "صديقة وفية لإسرائيل" ويشترط على الفلسطينيين وضع حد للعنف من أجل استئناف محادثات السلام، بتأييد 329 مشترعاً. ردّت "جاي ستريت" بعد أيام عدة برسالة دعت فيها إلى انخراط أميركي فاعل في عملية السلام وفي المساعدة على إنشاء حاكمية فاعلة في الأراضي الفلسطينية. وقد حصلت تلك الرسالة على 87 توقيعاً. كان الفارق في عدد الموقّعين على الرسالتَين معبّراً. هناك مضاعفات واضحة لكل ما يُعتبَر رداً على اللوبي الإسرائيلي؛ يقول بن عامي "لست مهتماً، وعن وعي تام، بإظهار منظمتنا بأنها مناهضة لأيباك". على الأرجح أن رسالة "جاي ستريت" المضادة عكّرت صفو تلك المياه.
في الواقع، لم ينطلق نقاش فعلي في كابيتول هيل. عندما سألت موظفة رفيعة المستوى في الكونغرس إذا كانت تعتقد أن المشترعين جاهزون الآن لقول ما يفكّرون فيه في موضوع الشرق الأوسط، أجابت "لا أظن أننا بلغنا هذه المرحلة بعد". لكنها أضافت "ثمة تغييرات على الأرض". فعلى سبيل المثال، كانت لهجة النقاش حول غزة أقل انحيازاً بقليل من المعتاد. صرّح هوارد برمان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب وأحد الداعمين الأساسيين لإسرائيل، أنه "لا يجد أي صعوبة في تبرير الحرب التي خاضتها إسرائيل" لكنه "يشعر بأسى عميق لما ينجم عنها حكماً من معاناة ودمار وسقوط لأرواح بريئة". وكان القرار الذي انبثق عن النقاش – مع إسرائيل هناك دائماً قرارات – عبارة عن هجين غريب من الحيثيات التي تنم عن نزعة قتالية نموذجية ("حيث إن حماس تأسست مع هدف معلن هو تدمير دولة إسرائيل) وبنود "مصمّمة" معتدلة تدعو من بين أمور أخرى إلى إقامة "دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقلّة وديموقراطية". أخبرني معاون في الكونغرس أن سلف برمان، طوم لانتوس، كان يسمح لأعضاء اللوبي في أيباك بأن يكتبوا اللغة الأساسية للقرارات والتشريعات، لكن موظفي برمان طلبوا تعليقات من عدد كبير من المجموعات بينها "جاي ستريت"، وكتبوا الوثيقة بأنفسهم.
حتى أصدقاء "جاي ستريت" الأوفياء في كابيتول هيل يدركون العواقب المحتملة لموقفهم. قال لي ستيف كوهين، وهو نائب ديموقراطي في الكونغرس عن ممفيس، إن إسرائيل أهدرت في رأيه مكانتها البطولية من خلال الحربين اللتين خاضتهما في لبنان وغزة، وباتت تُعتبَر بمثابة "المستأسد في الحي". لكنه تذكّر أنه "عندما ظهرت جاي ستريت، راح أعضاء الكونغرس يتساءلون ‘هل نقترب منهم؟’" دعمت المنظمة كوهين وطلبت منه تسجيل شريط فيديو لموقعها الإلكتروني. قال "حذّرني العديد من الأعضاء اليهود المتمرّسين من مغبّة القيام بذلك. كانوا يخشون أن أتعرّض لهجوم من أيباك. همس لي بعضهم بأنني قد أواجه خصماً". لكنه سجّل شريط الفيديو. كما وقّع رسالة "جاي ستريت" التي تطالب بانخراط أميركي أكبر في عملية السلام. سألته إذا حصلت أي مضاعفات. فأجاب كوهين، وهو مشترع ساخر جداً "أنا أفكّر في الأمر. كان لدي بعض المؤيدين البارزين من أيباك الذين لم يأتوا إلى حفلتي الأخيرة لجمع الأموال، مع العلم بأنهم يكونون عادة أول الحاضرين".
كان الاختبار الحاسم في أيار عندما جاء نتنياهو للقاء أوباما. طلب رئيس الوزراء من أوباما تحديد مهلة زمنية للمفاوضات مع إيران التي تتخوّف إسرائيل كثيراً من طموحاتها النووية، في حين حض أوباما رئيس الوزراء الإسرائيلي على تجميد توسيع المستوطنات تجميداً كاملاً. قال أوباما إنه مستعد لإعادة النظر في سياسته حيال إيران إذا استمرّت الأخيرة في تعنّتها؛ أما نتنياهو فلم يقطع أي تعهّدات في موضوع المستوطنات. بعد ذلك، عقد نتنياهو سلسلة من الاجتماعات في كابيتول هيل. يروي مشترع رفيع المستوى أنه قيل لنتنياهو خلال جلسة مع مشترعين يهود "لا يمكنك تجاهل ما يطرحه البيت الأبيض في موضوع المستوطنات. عليك حل المسألة معهم". لم يكن توبيخاً حاداً على الإطلاق، لكن نتنياهو لم يكن قد اعتاد أيضاً على سماع رسائل من هذا القبيل من القادة الجمهوريين في التسعينات عندما كان رئيساً للوزراء.
استمر الرئيس أوباما في استعمال لغة لا لبس فيها في موضوع التوسع الاستيطاني، ولا سيما في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة في مطلع حزيران الماضي. واستمرت المنظمات الأساسية في حشد قواها دفاعاً عن إسرائيل. في مطلع آب، نشرت "رابطة مكافحة التشهير" إعلاناً على صفحة كاملة في "نيويورك تايمز" وصحف يومية أخرى مع العنوان الرئيس الآتي "المشكلة ليست المستوطنات؛ المشكلة هي الرفض العربي". تسبّب هذا بعذاب شديد للمشترعين اليهود الذين لا يريدون أن يُضطروا إلى الاختيار بين إسرائيل والرئيس. قبل وقت قصير من الخطاب في القاهرة، أصدر غاري أكرمان، وهو ديموقراطي من نيويورك يقود اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بياناً صحافياً بعنوان "أكرمان يحض على تجميد بناء المستوطنات لا نمو العائلات". هذه الصياغة هي أسلوب مشفّر للدفاع عن "النمو الطبيعي" للمستوطنات. لكن بعد وقت قصير، شرح أكرمان أنه قصد أنه يجب أن تستمر العائلات في النمو – وهذا ليس مبدأ خلافياً – أما المستوطنات فلا. قال لي أكرمان إنه يعتبر توسيع المستوطنات "القضية الآنية المهيِّجة للمشاعر"، وإنه مهما تكن الإيجابيات، "يجب أن يلمس العالم العربي إشارة بأننا نتفهّم مشاغله". نكاد نسمع صوت التمغّط بينما يُسحَب المشترعون في الاتجاهَين المعاكسين.
ليست لحظة مؤاتية جداً، على الأقل ظاهرياً، لصنع السلام في الشرق الأوسط. فإيهود أولمرت وأرييل شارون اللذان سبقا نتنياهو مباشرة في رئاسة الوزراء، توصّلا بطريقة مؤلمة إلى الاستنتاج بأن إسرائيل لا تستطيع أن تصمد كدولة ديموقراطية ويهودية إلا إذا كانت مستعدّة للسماح بإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة – الأمر الذي يتطلّب بدوره التخلّي عن المستوطنات. لا يبدي نتنياهو مؤشرات قوية بأنه استبطن هذا المنطق المحتوم. فبعد عودته من واشنطن، ألقى خطاباً أيّد فيه لأول مرة حل الدولتين، لكن لغته ظلت متصلّبة كالعادة. قال سناتور باشمئزاز إن الخطاب كان "فرصة أُهدِرت بالكامل". رفض نتنياهو الموافقة على تجميد كامل للمستوطنات، على الرغم من إرسال بعض إشارات المجاملة.
لكن المشكلة لا تقتصر على إسرائيل. فالقادة العرب الذين يعوّل عليهم أوباما للمساعدة على تمويل دولة فلسطينية ناشئة والضغط على "حماس" والتجاوب مع أي بادرة تصدر عن إسرائيل، ليسوا مستعدّين للتحرك. على الرغم من أنه يبدو أن مكانة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تعزّزت بعد المؤتمر العام الأخير الذي عقدته حركة "فتح"، إلا أنه لا يزال أضعف بكثير من التغلّب على "حماس" التي تسيطر على غزة والتي حاربت إسرائيل وأوصلتها إلى حائط مسدود سياسياً في مطلع هذا العام. الخطر الحقيقي جداً الذي تمثّله "حماس"، على الرغم من أنها تبدو هادئة في الوقت الراهن، يجعل إسرائيل تتردّد كثيراً في تقديم تنازلات مهمة.
على الرغم من ذلك، تتغيّر الديناميات في الشرق الأوسط. فعلى غرار إسرائيل، الدول العربية الأساسية متخوّفة من إيران وتريد دعماً أميركياً لنهج متشدّد حيال طهران وطموحاتها النووية. والمشكلة الفلسطينية هي عائق أمام التوحّد في وجه إيران. بالفعل، لقد بذل نتنياهو نفسه جهوداً حثيثة لتحويل الانتباه من فلسطين إلى إيران. لكن هذا لن يمرّ لا في الرياض ولا في واشنطن؛ فكما أظهر خطاب القاهرة، يدرك المسؤولون في البيت الأبيض أنه يتعيّن عليهم إنجاز تقدّم حقيقي في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية من أجل استعادة الصدقية في الشرق الأوسط. ويعتبرون أن هذا التقدّم ليس ممكناً إلا إذا عمد نتنياهو إلى كبح المستوطنات التي يعتبرها الفلسطينيون والعالم العربي الأوسع جزءاً من جهد مستمر لتغيير "الوقائع على الأرض" من أجل منع تطبيق حل الدولتين.
لقد أدّى نتنياهو دوراً أساسياً في ذلك المجهود؛ ومع ذلك يعتبره عدد كبير من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط أنه بارع في الحسابات ويعرف تماماً أنه لا يمكنه أن يظهر بأنه "خسر واشنطن". إذا نجح أوباما في انتزاع التزام صادق وملزم من نتنياهو حول نمو المستوطنات، يستطيع عندئذٍ أن يتحوّل نحو القادة الفلسطينيين والعرب للحصول على التنازلات التي تطلبها إسرائيل. ومن شأن البوادر المتبادلة أن تخلق بدورها زخماً نحو حل مسائل الوضع النهائي الأكثر صعوبة المتعلقة بالحدود المشتركة ووضع القدس و"حق العودة" للفلسطينيين الذين هربوا من إسرائيل قبل عقود. لا تزال المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية متعثّرة، لكن هناك كلام مشجِّع بأن إدارة أوباما قد تسعى إلى عقد لقاء بين نتنياهو وعباس خلال وجودهما في نيويورك في وقت لاحق هذا الشهر للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
باختصار، لن تفتقر "جاي ستريت" إلى أرضية للعمل فيها. لقد وعدت المنظّمة أنصارها بأنها سوف تتخذ بين آب وعيد العمال "50 الف إجراء" لدعم سياسات الرئيس. وبحلول أواخر آب، استطاعت أن تورد الآتي "أرسلنا 29243 بريداً إلكترونياً وأجرينا 1288 اتصالاً وأخبرنا 2596 صديقاً عن عملنا". في هذه الأثناء، بدأ بن عامي بناء شبكة من الداعمين المحليين الذين يستطيعون أن يصارحوا المشترعين بآرائهم – مثل الشبكة التي تملكها أيباك (إنما أصغر بكثير)، واستقدام إسرائيليين مرموقين مؤيدين للسلام كي ينشروا رسالتهم البديلة في واشنطن وخارجها. وقريباً سوف ينتشر فريق اللوبي الجديد التابع لـ"جاي ستريت" في مجاهل الكونغرس للجلوس مع مشترعين وموظفين لم يسمعوا قط بمدافعين ليبراليين عن إسرائيل، فما بالكم بالاجتماع بهم.
ربما لا تزال "جاي ستريت" ظهير سد أصغر من أن يخلي الجزء الأكبر من السبيل أمام إدارة أوباما. لكن يمكنك التعويض عن الحجم إذا لم تخف من الاحتكاك.
"نيويورك تايمز ماغازين"
ترجمة نسرين ناضر
(كاتب مساهم في مجلة "نيويورك تايمز"، صدر له حديثاً كتاب بعنوانThe Freedom Agenda (أجندة الحرية).)
النهار







