سميح صعب
غاب أخطر تحدٍ يواجه السياسة الخارجية للولايات المتحدة هذه الايام عن خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما امام الجمعية العمومية ألا وهو افغانستان. بيد ان تجاهل الموضوع الافغاني من على منبر المنظمة الدولية لم يهدئ العاصفة التي احدثها تقرير قائد القوات الاميركية في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال الذي دق ناقوس الخطر عندما قال صراحة ان اميركا في طريقها الى الهزيمة في غضون سنة اذا لم تُعزز القوات الاميركية هناك بنحو 40 الف جندي.
وقد ألقى تقرير ماكريستال بكرة النار في ملعب القيادة السياسية التي بات عليها ان تقرر إما المضي في ارسال المزيد من القوات مع ما يستتبع ذلك من احتمالات الغرق اكثر في المستنقع الافغاني، وإما اعتماد خيار آخر بابقاء عديد القوات في مستواه الحالي مع الاعتماد اكثر على القوات الافغانية المحلية، علماً أن هذا الخيار يمكن ان يؤدي الى كسب "طالبان" المزيد من الارض.
هذان الخياران أحلاهما مر بالنسبة الى اوباما الذي كان على عكس موقفه من حرب العراق، من المؤيدين للحرب في افغانستان، وهو الذي أطلق عليها "الحرب الضرورية"، حتى ان الكثيرين باتوا يصفونها بأنها "حرب اوباما" كما كان العراق "حرب بوش".
وفي خضم الجدل الدائر بين القادة العسكريين المتحمسين لزيادة القوات وبين منطق السياسيين الذين سيتحملون في النهاية تبعة أي قرار سواء بزج المزيد من القوات في المعارك أم بالتروي في اللجوء الى مثل هذه الخطوة، يبرز عامل ضاغط على الرئيس الاميركي هو تدني التأييد الشعبي لهذه الحرب مع ارتفاع الخسائر البشرية في الاشهر الاخيرة في صفوف الجنود الاميركيين وقوات حلف شمال الاطلسي.
كل ذلك يحمل الكثير من المعلقين في الولايات المتحدة على التحذير من الانزلاق الى فيتنام اخرى في افغانستان، لا سيما ان ثمة اجماعاً في الغرب على انه من غير الممكن ربح هذه الحرب، وذلك بناء على دروس الحاضر والماضي. ومن هنا يبرز التساؤل حيال جدوى الاستمرار في حرب لا يمكن كسبها.
وبات تقرير ماكريستال الذي سرب الى صحيفة "النيويورك تايمس" قبل موعد نشره الرسمي بيوم، مستنداً اساسياً في رسم أي استراتيجية جديدة في افغانستان. ولن يكون في امكان اوباما تجاهل هذا التقرير خلال عملية اتخاذ القرار الآن. والبعض يشبه المرحلة بالمرحلة التي سبقت اتخاذ بوش قراراً بزيادة عدد القوات في العراق عام 2007.
وأي قرار يتخذه اوباما لا بد ان يأخذ في الاعتبار التوازن بين توصية ماكريستال التي سرعان ما لقيت تأييداً من قائد القيادة المركزية الجنرال ديفيد بترايوس ورئيس هيئة الاركان الاميرال مايكل مولن، وبين التحذيرات من الانزلاق الى فيتنام جديدة.
ويزداد الوضع تعقيداً مع ضعف العامل المتمثل في الاعتماد على القوات الافغانية المحلية التي لم تثبت حتى الآن جدارتها في تولي مهمات امنية رئيسية على غرار القوات العراقية، فيما العلاقة مع الرئيس حميد كرزاي ليست على ما يرام وخصوصاً بعد ثبوت عمليات تزوير في الانتخابات الرئاسية التي جرت في آب.
تبدو افغانستان اليوم عبئاً ثقيلاً على اوباما. واذا لم يدرك ان الحل لن يكون عسكرياً محضاً، فإن التاريخ لا يدل على ان قوة عسكرية تمكنت من الانتصار في هذا البلد الذي تحول حجر الزاوية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وبسبب التركيز على افغانستان، فإن قضايا كثيرة معرضة للتهميش او لعدم حيازتها الاهتمام الكافي، من كوريا الشمالية، الى ايران الى الصراع العربي – الاسرائيلي.







