لكن ما تطرحه هذه النتائج يفضي، في الحالة السورية، إلى الخروج من أروقة الجامعات ومكاتبها، والغرق بشكل طبيعي في الوضع السياسي، والنظر في المشهد ضمن فضاء دولة تسلطية، يحكمها نظام دمّر كل مقومات الحياة في البلاد، وصنع كارثة مقيمة، لم تستثن أي مجال أو قطاع، لا سيما الفضاء الأكاديمي السوري، الذي لم تبدأ مشاكله كما يدعي بعض من مسؤولي النظام في العام 2011، بل إنها تعود إلى سنوات طويلة سابقة لهذا التاريخ.
فقد أمست الجامعات السورية منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في العام 1963، ووقوعها تحت سيطرة العقلية التسلطية، وتدخلها في كل مفاصل الحياة اليومية، طاردة للكادر التدريسي.
كما أن عوامل الانحدار تفاقمت في عهد الأسد الأب، وصار حالها يشبه حال أي من مؤسسات الدولة، فاقدة لاستقلاليتها، تسودها البيروقراطية، يعيث فيها الفساد، ويخضع التقييم فيها لمبدأ الولاء، ما أدى في المحصلة إلى وقوع العملية التعليمية برمتها في زمن الأسد الابن، وبما تتضمنه من آليات لإنتاج الأبحاث العلمية، في مستنقع الضحالة وفقدان القيمة.
لا يمكن بأي حال من الأحوال تسويد المشهد كله، إذ بقي الطلاب يتخرجون من أقسام الجامعة السورية، كما دأب كثير من منهم على تقديم الأطروحات في الدراسات العليا. لكن واقع الحال خلط بين الصالح والطالح، ولم يعد في الإمكان تحري النتائج الجيدة في أي من منتجات الجامعات، إلا من خلال ما تنشره مجلاتها العلمية، والتي خضعت في تقرير “ارسيف” إلى مجموعة من معايير الاختيار المعلنة تبدأ بآليات اقتناء الدوريات ووصولها إلى القراء المعنيين وتوافرها في شبكة الإنترنت، وتصل في النهاية إلى التدقيق في انتحالات بعض الباحثين.
من موقع القراء والمتلقين، حاولنا التدقيق في ما اتبعه القائمون على “ارسيف” من خطوات أولية، وتطبيق ذلك على منتجات الجامعات السورية، فتوجهنا إلى موقع جامعة دمشق، التي احتفلت قبل فترة وجيزة بمئويتها، وعلى وجه الدقة نحو لائحة روابط المجلات العلمية، لكن الزيارة كشفت عن توقف عملها كلها!
وفي موقع جامعة حلب، سيصاب الزائر باليأس من إمكانية أن ينقله عنوان مجلتها إلى صفحتها، لكن عنواناً مجاوراً خاصاً بالاتحاد الوطني لطلبة سوريا (مؤسسة شبه أمنية متخصصة في السيطرة على الوضع الطلابي) كان يعمل بسرعة!
النتائج الخاصة بجامعة البعث لم تكن أفضل حالاً، إذ لم نستطع الوصول إلى مواقع مجلاتها العلمية، رغم توافر الروابط، الأمر الذي يدل على إهمال القائمين عليها لمسألة إمكانية الوصول إليها.
أما في موقع جامعة تشرين، فكان الرابط الخاص بمجلاتها يعمل، لكنه يقود القارئ إلى صفحة عامة باللغة الإنكليزية، تحتوي روابط فرعية للمجلات التخصصية، التي سيظهر عبر الخطوات اللاحقة أنها تتوافر للقارئ باللغة العربية!
محاولة الوصول إلى المجلات ليست كل شيء في محاولة التحقق من المعيار الأول المذكور أعلاه، إذ يلفت الانتباه أيضاً غياب قواعد البيانات الخاصة بأطروحات الماجستير والدكتوره أيضاً عن مواقع الجامعات. وربما سيكون متأخراً بالنسبة للقارئ الذي رغب بالوصول السريع إلى المعلومة، أن يعرف بأن قاعدة البيانات المطلوبة تتوافر في مَجاهل موقع وزارة التعليم العالي، فهو جزء من المكتبة الإلكترونية، لكن محرك البحث في أي من قسمي رسائل الماجستير والدكتوراه لن يعمل، وإذا قيض له أن يعطي نتائج ما، فإنها لن تكون مطابقة لكلمات البحث!
ركاكة التفاصيل الإجرائية السابقة، ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي ركن أساسي من أركان التقييم الجيد للمؤسسة العلمية، والذي يرتفع بشكل مضطرد مع إمكانية أن يتم الاستشهاد بما تحتويه الدراسات والأبحاث التي تنشرها مجلاتها، وهذا هو أساس تقييم معامل “ارسيف”. لكن واقع الحال في سوريا المحكومة من قبل الأسديين، لا يؤشر فقط إلى هجرة الطاقات العلمية والبحثية، وتوجهها إلى حيث يمكنها مواصلة عملها وحصول أصحابها على العيش الكريم، بل يشير أيضاً إلى أن الواقع المادي يلعب دوراً حاسماً في إمكانية أن تحصل مجلات الجامعات السورية على أبحاث جيدة، كما أن طلبة الدراسات العليا الذين يحاولون الحصول على الدرجات العلمية، يعرفون أنهم لن يجدوا دعماً مادياً كافياً يساعدهم في تفرغهم لإنجاز دراساتهم.
ففي بداية العام الحالي قررت جامعة دمشق رفع تمويل أبحاث الماجستير من مليون إلى مليوني ليرة سورية، وأبحاث الدكتوراه من ثلاثة ملايين إلى خمسة ملايين ليرة سورية، إضافة لفتح سقف تمويل أبحاث المعيدين، وأعضاء الهيئة التعليمية بعد دراستها من لجان علمية متخصصة لإقرارها. وإذا تم قياس هذه المبالغ مع واقع السوق، سيكتشف المدقق أنها بلا قيمة فعلية، بالنظر أيضاً إلى تهاوي قيمة الليرة السورية!
المضحك المبكي في هذا الإجراء، أنه يأتي، وفق تصريح الدكتور محمد فراس حناوي، نائب رئيس جامعة دمشق لشؤون البحث العلمي والدراسات العليا، لوكالة “سانا” التابعة للنظام، “في إطار دعم الاقتصاد المعرفي، ومكانة الجامعة في مجال البحث العلمي، لا سيما بعد صدور نتائج تصنيف “الويب ماتريكس” العالمي للجامعات لعام 2023 أمس والذي أظهر تقدم جامعة دمشق على صعيد البحث العلمي 633 مرتبة… ليصبح 3458 عالمياً بعدما كان 3613 وفق التصنيف السابق، وحصولها أيضاً على المركز 2504 في تصنيف الشفافية المرتبط بالباحث العلمي “غوغل سكولار” متقدمة 633 مرتبة عن التصنيف السابق”.
الكوارث المتعددة التي تعيشها الجامعات السورية باتت معروفة للسوريين، ولعل الطلاب الذين يرومون الرحيل بعد تخرجهم منها، يعرفون حجم الفساد الأخلاقي الذي تعيشه، والذي لا يشكل ما يكشف عنه بين الحين والآخر إلا رأس قمة جبل الجليد، كما يقال. كما أن التدخل الأمني في شؤون الطلاب والكادر التدريسي هو جزء من يوميات الحياة الأكاديمية، التي لم تعد تصدر الأبحاث، ولا تبدو مهتمة بإنشائها، بل صارت هي مجال البحث المخابراتي. وبحسب الدكتور برهان غليون فإنه لا يوجد في سوريا سوى مركز واحد يهتم بالبحث، وهو “أجهزة الأمن”. فهنا “لا يوجد شيء اسمه بحث اجتماعي أو بحث علمي، وإنما البحث العلمي موجود في مكان واحد هو (أجهزة المخابرات) التي تعدّ مراكز بحث حقيقية، لأنها تبحث بدقة وتأتي بالمعلومات -بأدق التفاصيل- عن الشعب والشارع، وهي من يجمع المعلومات ويحللها”.
ولعل هذه الأجهزة، لو خضعت للتقييم العلمي، فإنها ستفوز بالمركز الأول، وفق معيار قدرتها على سحق السوريين، وكتم أنفاسهم، وتحطيم عقولهم.
(*) تتبع معامل التأثير “ارسيف” إلى مؤسسة “معرفة” التي نشأت في الأردن باسم مركز عالم المعرفة العام 2004، ومن ثم تملكتها عالم المعرفة العام 2009، وهي مؤسسة تُعنى بإنتاج وتوفير المحتوى الرقمي العربي، بهدف تأسيس قاعدة “معرفة”. وقد بدأت المؤسسة بالعمل على تأسيس مشروع قاعدة “معرفة” في كانون الثاني/يناير 2008. وتسعى قاعدة بيانات “معرفة”، بحسب موقعها في الانترنت، إلى توفير الإنتاج العلمي والفكري في الدول العربية وتسهيل وصول الباحثين والطلاب العرب له والاستفادة منه، وفتح وتطوير قنوات الاتصال والتعاون العلمي بين الباحثين والمؤسسات التعليمية والعلمية والاقتصادية في داخل العالم العربي من جهة، ومع مختلف دول العالم من جهة أخرى، بما يساهم في تعزيز حوار الثقافات والحضارات، وتبادل المنافع وتعزيز آفاق للتعايش بينهما، والعمل على نشر وتوفير المخزون الفكري والثقافي والعلمي الصادر في العالم العربي إلى المهتمين في جميع دول العالم، وكذلك إلى تعزيز مجتمع واقتصاد المعرفة في العالم العربي وتعزيز إمكانات اللغة العربية في البيئة المحوسبة، وأخيراً: جعل قاعدة “معرفة” أداة استقصاء لمؤشرات البحث العلمي في العالم العربي.
“المدن”


























