نشاط منظمات الإرهاب المتزايد برعاية إيران منذ الإجرام الإسلاموي في غلاف غزة في 7 أكتوبر يكشف تعزز قوة محور الفوضى الإيراني – الروسي. الأمر يستوجب تغييراً فكرياً في إسرائيل، وفي الولايات المتحدة أيضاً. فالخطر السياسي لحماس و”حزب الله” والحوثيين أكبر من خطر “داعش”، ذلك أنهم يحظون بدعم من إيران. بل إن حماس تحظى بدعم من قطر وتركيا، حليفتي الولايات المتحدة. إيران، من جهتها، تحظى بتأييد روسي. الجيش الإسرائيلي يقاتل في ثلاث جبهات، لكن الولايات المتحدة هي أيضاً تحت الهجوم: قواعد الولايات المتحدة في العراق وسوريا تعرضت لنحو 60 هجوماً من قبل ميليشيات مؤيدة لإيران.
مثل الردع الإسرائيلي، فإن الردع الأمريكي تآكل هو الآخر. في نظرة تاريخية، عرفت الولايات المتحدة كيف تدافع عن مصالحها الأمنية. قاتلت في الحرب العالمية الثانية دون رحمة “إنسانية”، ولم تنه العمل إلا بعد أن احتلت روما، طوكيو وبرلين. وحتى على احتلال الكويت، ردت الولايات المتحدة بحملة عسكرية كبيرة ضد العراق في 1991. وعملت الولايات المتحدة بتصميم كبير ضد منظمات الإرهاب. ففي أعقاب الهجوم الإرهابي في 2001 انطلقت الولايات المتحدة إلى حرب حتى احتلت أفغانستان وصفت بن لادن. وهي تعمل منذ 2014 أيضاً ضد “داعش” وأدت إلى اختفائه تقريباً.
لقد تعرضت الولايات المتحدة لهجوم من منظمات مؤيدة لإيران أيضاً، لكن ردها كان مختلفاً جداً. فقد بادر “حزب الله” إلى عمليتين مع مئات القتلى الأمريكيين في بيروت في 1983. وهاجم الحوثيون من اليمن سفناً أمريكية في البحر الأحمر. هم، وإيران نفسها، هاجموا أيضاً العربية السعودية. لكن الرد الأمريكي هنا بالذات كان واهناً جداً. صحيح أن الرئيس بايدن حذرهم من التدخل في حرب إسرائيل ضد حماس وبعث بقوة بحرية هائلة، لكن الهجمات من جانب “حزب الله” والحوثيين على إسرائيل، ومن جانب الميليشيات العراقية على جنود الولايات المتحدة، تشهد على تجاهل للتحذيرات. كما أن إيران تبني مؤخراً حلفاً مع طالبان من أفغانستان. وعليه، فإن على إسرائيل والولايات المتحدة أن تنتقلا من الكبح إلى مبادرة هجومية سياسية وربما عسكرية. كمرحلة أولى، على الولايات المتحدة، بتعاون دولي أن تتأكد من نزع سلاح “حزب الله” وانسحابه من الحدود حتى الليطاني كما يستوجب قرار مجلس الأمن 1701 في 2006. إذا ما فشلت المحاولة، فعلى واشنطن أن تدعم سياسياً ولوجستياً عملية عسكرية إسرائيلية ضد “حزب الله”. كما أن الإدارة ملزمة بردع الحوثيين عن السطو والإرهاب البحري، وأن تفرض نزع سلاح الميليشيات العراقية. هذا ممكن تحقيقه أساساً من خلال ممارسة ضغوط اقتصادية على الحكومة المؤيدة لإيران في بغداد. بالتوازي، على الولايات المتحدة وحلفائها أن يبدأوا بتخطيط عملي لتصفية منشآت النووي الإيرانية. وإذا ما كان هذا الإعداد علنياً ومصمماً، ثمة احتمال جيد لأن تخضع إيران وتصفي برنامجها النووي بنفسها. من اللحظة التي تفجر فيها إيران القدرة النووية الأولى، فستصبح منيعة، مثلها مثل كوريا الشمالية اليوم.
إيران في منطقتنا وروسيا في أوكرانيا هما وكيلتا فوضى، وتغيران قواعد اللعب، أما الولايات المتحدة فتبث ضعفاً. وبصفتها تتصدر الحرب ضد الفوضى في العالم، على الولايات المتحدة البدء بتغيير الفكر. الهدف الذي ينبغي السعي إليه من الآن فصاعداً هو شرق أوسط نقي من منظمات الإرهاب وإيران بدون قدرة كامنة نووية. ستكون للفشل مضاعفات مكروهة: نفوذ المحور الروسي – الإيراني – الإرهابي سيقوض كل الساحة السياسية في منطقتنا. لهذا ستكون آثار دراماتيكية أيضاً على الاتحاد الأوروبي وعلى ميزان القوى العالمي، ابتداء من أسعار النفط، عبر المس بمسارات الإبحار الدولية وعربدة الإرهاب في أوروبا، وحتى مصير الحرب في أوكرانيا ومستقبل شرق أوروبا.
البروفيسور أماتسيا برعم والعقيد احتياط بيسح ملوبني
معاريف 30/11/2023
“القدس العربي”


























