الفيتو الذي استخدمته الولايات المتحدة لمنع مجلس الأمن، الجمعة، من إقرار مشروع قرار يدعو إلى وقف نار إنساني في غزة، أظهر عزلتها أمام المجتمع الدولي، وسيزيد حتماً من المصاعب أمامها في معرض الدفاع عن الحرب التي يدفع المدنيون الثمن الفادح فيها.
وضربت واشنطن عرض الحائط بتفعيل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “المادة 99” من ميثاق المنظمة الدولية الذي يملي على الأمين العام لفت نظر مجلس الأمن إلى أن ثمة حدثاً جارياً على الأرض يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين.
وينطبق الأمر على حرب غزة التي في حال استمرارها، من الممكن أن تشعل حريقاً شاملاً في المنطقة. وهذا ما تراه غالبية من الرؤساء والمسؤولين والمعلقين على مستويات مختلفة في العالم.
في المقابل، دأبت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب على إصدار نصائح لإسرائيل كي تتجنب قدر الإمكان إلحاق الأضرار بالمدنيين. لكن بعد 65 يوماً من القصف الجوي المكثف والتوغل البري في شمال القطاع وجنوبه، لم تتراجع وتيرة القتل اليومي للمدنيين أو تحييد المستشفيات والمدارس التابعة للأمم المتحدة وأماكن النزوح الأخرى التي حددتها إسرائيل بنفسها! إن نسب الضحايا المدنيين في هذه الحرب تفوق كل ما وقع في كل الحروب في هذا القرن، بحسب بيانات صادرة عن أكثر من هيئة ومنظمة دولية مختصة بتتبع نتائج الحروب.
وعلى رغم الاتصالات الهاتفية اليومية بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتصريحات التي يدلي بها وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومسشار الأمن القومي جيك سوليفان ومدير الاتصالات الاستراتيجية في المجلس جون كيربي، فإن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته العسكرية بالعنف الذي بدأ به في 7 تشرين الأول (أكتوبر).
قالت الولايات المتحدة في بداية الحرب إنها تعارض تهجير المدنيين من الشمال إلى الجنوب وتفضل إقامة “مناطق آمنة” لهم. لم يحصل شيء من هذا ودفعت إسرائيل بغالبية سكان شمال القطاع إلى جنوبه. وعندما شرعت في مهاجمة مدينة خان يونس في الجنوب، إذا بها تدفع بالنازحين من الشمال إلى خان يونس للنزوح مجدداً إلى رفح في أقصى الجنوب على الحدود مع مصر.
يجري كل ذلك وسط ظروف إنسانية بلغت حد الانهيار باعتراف الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية. وبدأ الجوع ينتشر في أوساط النازحين الذين تزدحم بهم رفح، هذا عدا تفشي الأمراض الناجمة عن عدم توافر المياه النظيفة ولا الكميات الضرورية من الطعام والدواء، فيما المستشفيات التي لا تزال قلة قليلة منها صالحة للعمل، والمرضى يتكدسون في الأروقة والممرات وسط نقص في الكثير من المواد الطبية الضرورية، ناهيك بفقدان شبه كامل للوقود.
وتكرار الطلبات الأميركية لإسرائيل لاتخاذ إجراءات تخفف من الإصابات بين المدنيين، هي من البدائل التي تتبناها واشنطن من وقف النار. لكن الواقع يتحدث عن شيء آخر، وكل يوم تضيق مساحة الأرض أمام الفلسطينيين الذين يفرون من نزوح إلى آخر، في ظل القصف والأوضاع الإنسانية الكارثية التي تجعل من غزة أصعب وأضيق مكان للعيش في العالم. وبعد كل هذا تتخذ إسرائيل استعدادات لضخ مياه البحر المالحة في الأنفاق التي تعثر عليها، كوسيلة لإجبار المقاتلين الفلسطينيين على الخروج منها، من دون الأخذ في الاعتبار عواقب مثل هذه الخطوة على البيئة في غزة، والتي ستتضرر لأجيال قادمة وربما لن تعود صالحة للسكن بالمرة.
وعلى رغم هذه المعاناة التي لا حدود لها، والتي تستفحل ساعة بعد ساعة، ترفض إدارة بايدن وقف النار، وتعطي إسرائيل مزيداً من الوقت لتحقيق الأهداف التي حددتها من وراء العملية، وهي “سحق حماس” تسليحياً وسلطوياً. ولا تحدد وقتاً للانتهاء من العمليات العسكرية وتتحدث عن أشهر وربما أكثر.
ماذا يمكن أن يتبقى من غزة في هذه الحال؟ وماذا هناك أكثر من ذلك، كتهديد للسلام والأمن الدوليين؟
“النهار العربي”


























