لا يداخلني شك في أهمية إدارة نقاش عام واسع في مصر حول الانتخابات الرئاسية 2011 وكذلك أهمية شروع أحزاب وحركات المعارضة الرئيسة في تحديد مواقفها منها وتداول أسماء بعض المرشحين المحتملين أو بالأحرى المرغوبين كمحمد البرادعي وعمرو موسى وأحمد زويل وغيرهم. وقد دفعت سلسلة من المبادرات والاقتراحات النقاش حول انتخابات 2011 إلى الواجهة الإعلامية، مثل مبادرة "ضد التوريث" ("ما يحكمش" سابقا) لبعض القيادات الحزبية والمثقفين واقتراح محمد حسنين هيكل تشكيل "مجلس للأمناء" يخلف الرئيس مبارك بعد 2011 ويدير فترة انتقالية لمدة عامين تهدف إلى إنجاز تحولات ديموقراطية حقيقية. على الرغم من ذلك، يتسم النقاش الدائر اليوم بمجموعة من النواقص الخطيرة التي تقلل من فاعليته ومن ثم يتعين معالجتها بصورة جذرية.
أول النواقص هذه يتمثل في تركيز قوى المعارضة المبالغ به ومحدود النفع السياسي على سيناريو توريث الرئاسة، في الوقت الذي يُبقي الحزب الوطني كل أوراقه بشأن انتخابات 2011 على الطاولة بما فيها إمكان ترشح الرئيس مبارك لفترة سادسة ويوظف ذلك لتفنيد حديث المعارضة عن التوريث. أعلم، كما يعلم غالبية المصريين، أن سيناريو التوريث ليس محض خيال مريض أو نتاج إدعاءات المعارضة الظالمة في اتجاه نخبة الحكم، بل هو مشروع قائم منذ أعوام وينفذ على الأرض بخطوات متتابعة. مع ذلك، يؤدي التركيز عليه بمفرده إلى تجاهل كل قضايا انتخابات 2011 الرئيسة ابتداء من دور لجنة الإشراف على الانتخابات ثم نزاهة العملية الانتخابية في ظل غياب الإشراف القضائي، واعتياد الحزب الوطني استغلال جهاز الدولة لمصلحة مرشحه وأخيرا مسألة الرقابة الوطنية والدولية. على كل هذه المستويات، ينبغي على المعارضة أن تطالب نخبة الحكم بضمانات حقيقية وأن تنتقدها علنا إن امتنعت عن تقديمها واستمرت في ممارسات انتخابات 2005 الماضية.
ثاني النواقص يرتبط بالأسماء التي تتداولها قوى المعارضة كمرشحين محتملين أو مرغوبين. أمران يلفتان النظر هنا: من جهة، كل الأسماء المتداولة بلا استثناء تأتي من خارج الأحزاب ولا دور لها في الحياة السياسية الرسمية، ومن جهة أخرى، لم يعرف عنها تبني مواقف محددة بشأن ملفات مصر الكبرى ولا يعلم الرأي العام الكثير عن اقتناعاتها وأفكارها. وواقع الأمر انه من الطبيعي أن لا يتحدث رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية وسكرتير عام الجامعة العربية وعالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل وهم في المواقع الدولية والإقليمية والعلمية التي يشغلونها عن الشأن المصري، أما غير الطبيعي فهو أن لا تجد أحزاب المعارضة وحركاتها في بحثها عن شخصيات توافقية ومقبولة شعبيا يمكن أن تنافس مرشح الحزب الوطني في 2011 غير البرادعي وموسى وزويل، وتعجز تماما عن أن تقترح أسماء من بين قياداتها أو على الأقل من رموز الحياة السياسية المصرية صاحبة المواقف المعروفة.
نعم خرج أيمن نور عن سرب الحزبيين الذين اكتفوا باقتراح الأسماء وأعلن بوضوح نيته الترشح في 2011 وأجاد أسامة الغزالي حرب أخيراً بتشديده على أهمية أن يطرح مرشح الرئاسة المحتمل نفسه مباشرة على المواطنين دون وسائط، إلا أن القطاع الأوسع في المعارضة لم يتبعهما ومازال يتداول الأسماء غير الحزبية. وفي هذا دليل فشل واضح للمعارضة، واعتراف ضمني منها بعدم قدرتها على منافسة الحزب الوطني وبغياب القبول الشعبي عن قياداتها. فبغض النظر عن كل ما يقال عن جمود المعارضة وضعفها وهشاشتها، والكثير منه صحيح ويا للاسف، يظل تخلي الأحزاب عن الترشيح من داخلها لانتخابات الرئاسة مسألة خطيرة وتنذر بتحول الأحزاب ما يشبه الجمعيات الخيرية (الراغبة في فعل الخير وخدمة المصلحة العامة بترشيح شخصيات مستقلة من خارجها) أو ملتقيات المفكرين والمثقفين التي تكتفي بتقديم
اقتراحات للإصلاح والتغيير وتقف موقف المتفرج في الواقع العملي.
ثالث النواقص يتعلق باختزال الحياة السياسية المصرية في الانتخابات الرئاسية 2011، على الرغم من أن بيننا وبينها الانتخابات البرلمانية في خريف 2010. أحزاب وحركات المعارضة تناقش اليوم 2011 وكأن انتخابات 2010 لا أهمية لها أو بمثابة تحصيل حاصل لا يستدعي الالتفات الآن. هنا أيضا ترتكب المعارضة خطأ إستراتيجيا وتكتيكيا فادحا، فانتخابات 2010 ستحدد العديد من التفاصيل المهمة للمشهد السياسي الذي سيصاحب انتخابات 2011: طبيعة تمثيل المعارضة وحدوده في مجلس الشعب وهل سيتراجع عن نسبة العشرين في المئة الحالية: دور الإخوان في المجلس المقبل بعد كل التوترات التي شهدتها علاقة النظام-الجماعة خلال الأعوام الماضية: مدى نزاهة العملية الانتخابية في ظل غياب الإشراف القضائي وهل يمكن الاعتماد على الرقابة الوطنية والدولية لتعويض شيء من هذا الغياب، وغيرها.
من المحزن حقا أن تصمت معظم أحزاب المعارضة وحركاتها عن الخطوط العريضة لبرامجها في انتخابات 2010 وتتجاهل الضغط الفعال على نخبة الحكم لإلغاء قانون الطوارئ والسماح بالرقابة الدولية وتعجز عن التوافق على مبادرات تهدف للتنسيق في ما بينها لمنافسة الحزب الوطني، والأخير بكل تأكيد عازم على خفض نسبة تمثيل المعارضة في المجلس المقبل. فالمعارضة المصرية معنية فقط بالمبادرات المثيرة للصخب الإعلامي وتلك على ما يبدو لها وجهة وحيدة هي الرئاسة وحديث وحيد هو التوريث.
(باحث أول في مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط – بيروت )
"النهار"




















