الذكرى الثلاثون لاحتلال السفارة الأميركية في طهران مرّت هذا العام بشكل مختلف عن الأعوام السابقة.
ومع أن السلطات منعت التظاهر بالمناسبة، فقد تجمع أكثر من فريق. ففي جانب أطلق شعار «الموت لأميركا»، وفي جانب مقابل أطلقت الشعارات من نوع: «أوباما أوباما كن معهم وإلا معنا».
ومنذ الأحداث التي تعاقبت وتسارعت إثر إعلان انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية، وصولاً الى ما يجري هذه الأيام تبدو إيران وكأنها في دائرة الاستهداف من الداخل ومن الخارج في آن. وما زال البعض يراهن على أن نظام الجمهورية الإسلامية بات مهدداً أكثر من ذي قبل، مقابل الأطراف الإقليمية والدولية التي تعتقد أن ما يجري في شوارع طهران ونتائج التداعيات التي نشأت بعد ذلك هي «حرب تصفيات» بين تيارات مختلفة، وان الوضع ما زال تحت السيطرة.
على أن المنطق الثابت منه والمتحرك يفرض على العقول إجراء مراجعة جريئة وشجاعة حول الممارسات الخاطئة التي ارتكبت والعمل على تصحيح مسارها… في ما يشبه «الحركة التصحيحية»، يكون محورها نقد الذات والإفادة من أخطاء الماضي، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لتحصين مسار الثورة وتحسين أدائها في شكل عام.
ولو عدنا بالذاكرة الى الحقبة التي ظهرت فيها الثورة الإسلامية في إيران، وسعي رجال تلك الفترة بشكل منهجي ومبرمج الى «تصدير الثورة» وخاصة الى دول الجوار، لوجدنا أن التجارب أكدت أن مبدأ تصدير الثورات سيوقع المنطقة في حال من الاضطراب والبلبلة.
ومن المفارقات اللافتة الآن ما يحدث في طهران وفي سائر المدن الإيرانية في ما يمكن تسميته بـ «استيراد الثورات» الى الداخل الإيراني. ويجسد هذا الأمر بالتهم التي تطلقها السلطة في طهران ضد عمليات التواطؤ بين بعض الزعماء الإيرانيين و «أجهزة غربية»، وان مثل هذا «التعاون» بين بعض آيات الله والتيارات الأخرى هو الذي أتى بالاضطرابات اليومية عقب الإعلان عن فوز الرئيس أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية.
وبين «تصدير الثورة»، و «استيرادها» يجب التوقف ملياً عند هذا المفهوم ويكون ذلك بإسقاط الشعارات التي أثبتت عدم جدواها خاصة على صعيد العلاقات بين إيران وسائر دول الجوار… هذا الجوار الذي يريد أن يعيش بطمأنينة وليس في ظل هاجس «القلق الإيراني».
ومن الداخل الإيراني الى الخارج غير البعيد، تلقى لبنان من سورية وايران بطاقة تعاطف وتأييد. فبعد لقاء بين وزير خارجية سورية وليد المعلم، ووزير خارجية إيران منوشهر متقي، صرح متقي: «اننا متفقون تماماً مع سورية على دعم الأمن والاستقرار في لبنان والمحافظة على سيادته الوطنية». وشدّد المعلم ومتقي على «رغبة إيران وسورية في أن تكون العلاقات ودية وطيّبة بين كل الأحزاب والطوائف اللبنانية لتحقيق الرفعة للشعب اللبناني العظيم». واضاف متقي: «إن إيران وسورية وضعتا على جدول أعمالهما وخصوصاً خلال السنوات الأربع الأخيرة إحلال السلام والاستقرار ودعم التناغم الإقليمي» (لاحظ تعبير «التناغم الإقليمي».
الوزير وليد المعلم عبّر بدوره عن سروره لقرب تأليف الحكومة اللبنانية مؤكداً: «لا إيران ولا سورية تضعان العراقيل أمام إيجاد الوحدة في لبنان، وكلا الجانبين يرحب باتفاق اللبنانيين، ورفض أي تدخل في تأليف الحكومة اللبنانية وإحلال الاستقرار والأمن في هذا البلد».
ويتساءل المواطن اللبناني العادي ما إذا كانت تصريحات من هذا النوع يمكن أن تُعيد اليه بعض الطمأنينة، بعد كل الذي عاناه هذا الوطن ولا يزال؟
وحصل لبنان على شهادة تعاطف هذه المرة من الرئيس بشار الأسد… «ان سورية تدعم وحدة لبنان الوطنية وتحرص على سيادته واستقلاله»، وأعرب عن الأمل في «تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية قريباً».
ولأن دمشق تعمل على أكثر من جهة وجبهة، ولأن الرئيس السوري يتصرف ضمن معطيات معينة من زاوية الوضع الإقليمي والدولي معاً، يرى الأسد «ان الأميركيين تراجعوا عن سياسة الإملاء لصالح الحوار، وإن العلاقات بين البلدين… هي أفضل من قبل، لكن علينا ألا نفرط بالتفاؤل». ويضيف: «ان سورية تجني اليوم فوائد ما حققته باتخاذها القرار الصائب بمواجهة الهجمة السياسية الشرسة التي تعرضت لها والتمسك بمصالحها الوطنية والقومية وكرامتها».
وماذا عن العلاقات بين سورية وإيران؟
يجيب الرئيس الأسد: «علاقاتنا مع إيران ممتازة ولم تتغيّر ولم تتلبد سماؤها بالغيوم، الأمر الذي لا يتناقض مع وجود وجهات نظر قد لا تتطابق في مواضيع عدة».
وماذا عن «مسار الملف النووي الإيراني»؟
إن الدور الذي تقوم به إيران هو الاحتفاظ بزمام المبادرة مع الدول الغربية.
مع كل المعطيات والشروحات والتعديلات والتناقضات الإقليمية والدولية، كيف يمكن إقناع المواطن اللبناني العادي أن ما يعصف ببلاده من أزمات ينتظر «حلاًً عجائبياً» على الصعيد النووي؟
ومع تسجيل الكثير من التموجات بعضها انسيابي الدوران والبعض الآخر أكثر تعقيداً من كهوف تورا بورا، ماذا عن القضايا الأخرى؟
* مصادر وثيقة تؤكد ان وضع قوات الطوارئ الدولية في الجنوب (يونيفيل) في حالة استنفار وتيقظ. وهذا الحذر مردُّه معلومات تفيد بأن الهدف التالي للعملية الإرهابية سيكون استهداف قوات الـ «يونيفيل». يضاف الى ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يعترض على تولي إسبانيا قيادة القوات الدولية العاملة في الجنوب، وقد تؤدي هذه الأزمة الى تصعيد وتوتر في علاقة قوات الـ «يونيفيل» مع إسرائيل ومع أطراف أخرى قد تساعد «العناصر غير المنضبطة» من الإرهابيين.
يضاف الى ذلك معلومات أخرى تبعث على القلق، وهي المتعلقة بإعراب قائد القوات الدولية الجنرال كلاوديو غراتسيانو عن مخاوفه من أي عمل تصعيدي قد يتناول بعض المناطق اللبنانية، في إشارة الى احتمال تجدد جولات القتال! لذا أبلغ الجنرال غراتسيانو السلطات اللبنانية المختصة بالتفاصيل المتوافرة لديه. وهناك أزمة أخرى تتعلق بـ «يونفيل»، إذ إن المانيا ستعمد الى سحب قواتها العاملة في الجنوب اللبناني، لأسباب غير محددة وغير واضحة بعد.
* على الصعيد اللبناني الداخلي: يدخل لبنان يومه الخامس والأربعين بعد المئة من دون حكومة. ويعمل الرئيس المكلَّف سعد الحريري على «تدوير الزوايا» بعدما استنفد كل الكلام والتشاور مع مختلف الكتل النيابية حول توزيع الحصص والحقائب وعدد وزراء كل فريق.
ومع تفعيل المزيد من الجهود لإخراج لبنان من الدوامة الوزارية يؤمل أن تسفر الساعات أو الأيام القليلة المقبلة عن «انفراج ما»، لجهة ولادة الحكومة بعد خمسة أشهر من الانتظار، فهل المطلوب انتظار الشهر التاسع لإكمال الولادة الطبيعية أو اللجوء في نهاية الأمر الى العملية القيصرية، إلا إذا ظهرت معجزة عجائبية في اللحظات الأخيرة ما بين كتابة هذا المقال وقراءته.
* كاتب وإعلامي لبناني.
"الحياة"




















