منذ أكثر من عام، تدور حرب بشعة وثقيلة الوطأة في السودان، قلت مرة إنها لم تقض على الأخضر واليابس فقط، لكنها اخترعت يابسا جديدا، قضت عليه أيضا.
والمتابع لمسار تلك الحرب وتشعباتها وآثارها الجانبية، قد يصاب بالذهول، أن لا أمل في أي شيء حتى الآن، وأن وطنا بحجم السودان وصيته الجغرافي، والإنساني وتاريخه، الذي تغنينا به وما نزال نتغنى، قد يموت تماما دون أي رغبة من أهله في إنقاذ ما تبقى من روحه.
في الأيام الماضية، انشغل الناس الذين نزحوا وتشردوا في الأرض، ودخلوا إلى بلاد أخرى بوسائل قانونية وغير قانونية، بالبحث عن بيوتهم افتراضيا في الخرائط التي قالت شركة غوغل إنها حدثتها خصيصا للسودانيين. كنا نبحث لاهثين ومقطوعي الأنفاس، قد يجد أحدنا بيته وبيت جاره وبيوت أهل الحي كلهم، وقد يعثر على كل شيء ما عدا بيته، وقد لا يعثر حتى على الحي الذي ولد ونشأ فيه، وهكذا زمن عصيب انقضى، وتأتي أفكار أخرى كل يوم، أقواها حلم العودة من الشتات لأناس لم يحبهم الشتات، ولم يستطيعوا أن يأكلوا حتى لقماً قليلة، أو يجدوا تعليما لأبنائهم، أو يسكنوا بيوتا تأوي من التشرد.
ولأنني من المتابعين لكل هذه التداعيات، والمضاعفات التي أعرفها عادة في مادة الحروب، ولم أتوقعها تحدث لدينا، أصادف آلافا من القصص الإنسانية المبكية، خاصة قصص الذين يعبرون عن طريق التهريب عبر الحدود إلى دول الجوار، هناك من يقل هؤلاء في سيارات مكشوفة وغير آمنة، وربما يبيعهم لقطاع الطرق هنا وهناك، حيث يجردونهم من كل ما يحملونه، كزاد لأيام قاتمة في البلاد التي سيلجؤون إليها، ويتركهم في الصحراء، أيضا قد تنقلب العربات غير الآمنة، وقد يسقط طفل أو امرأة في الطريق ولا يتوقف أحد لالتقاط من سقط. وفي مساحة شاسعة من اللاأمل، يتحرك أمل محدود للغاية، كلما سمع الناس عن مفاوضات تحدث، وتعهد دولي لإنهاء الحرب، ولجان تسافر وتأتي وتقوم وتقعد واتصالات، وخطابات محلية عن قرب انتهاء الحرب، يتضح أنها مجرد خطابات محلية بلا لغة صلدة، ولا واقع حتى لو كان هشا.
ذكرت كل ذلك لأن رسائل كثيرة تصل إليّ، ولا بد تذهب لغيري من الذين يكتبون، أو يلتصقون بالآداب والفنون: ما دور الأدب في هذا الشأن؟ ماذا قدم وماذا يمكن أن يقدم، وهل هناك رواية سودانية مقبلة بعد الحرب لتصف بدقة وخيال أيضا، ماذا حدث؟
لا للحرب، كانت جملة رافضة مهمة لكن في السياق النظري فقط، فلا يوجد كاتب أو شاعر يستطيع إخراس المدفع إن نطق، أو كسر جنازير الدبابة إن عوت في الطرق، لا يوجد بيت شعر مهما كان قويا وبليغا، أن يخرج مسلحا مرتزقا من بيت يسكنه، ويدمره إذا اضطر للخروج منه.
في الحقيقة أن تعاطي الآداب والفنون، أصبح أمرا مرهقا في هذا الزمن، كل يوم حدث جديد، وفي كل لحظة ثمة سوء ينبغي معالجته، وأمور أفلتت من زمامها، ومتاريس، ومشاريع للقسوة لم تحدث في أي عصر، ونرى بأعيننا يوميا، تلك الإبادة المرعبة التي يتعرض لها أهل فلسطين، دون أي ذنب سوى أنهم شعب يملك حقا، اغتصبه مغتصب، وما يفعله، جزء أساسي من نهج الاغتصاب. قلت إنهم يسألون عن تفاعلنا مع الحرب، وماذا فعلت لنا وبنا، نحن من ندعي كتابة الواقع الموازي، كبديل جيد أو غير جيد للواقع الحقيقي، لا يهم. منذ البداية رفضنا الحرب كخيار سام فعلا، لبلد ثري جدا لكن لا أحد يغرق في ثرائه باستثناء قليلين، أخذوا كل شيء، ولم يكلفوا أنفسهم حتى ردم حفرة في شارع الجمهورية في الخرطوم، أو إيقاف عمود إنارة منحن في شارع المطار، أو توفير الشاش ومحاليل إنقاذ الحياة في مستشفى ريفي لا يخرج منه مريض يدخله.
لا للحرب، كانت جملة رافضة مهمة لكن في السياق النظري فقط، فلا يوجد كاتب أو شاعر يستطيع إخراس المدفع إن نطق، أو كسر جنازير الدبابة إن عوت في الطرق، لا يوجد بيت شعر مهما كان قويا وبليغا، أن يخرج مسلحا مرتزقا من بيت يسكنه، ويدمره إذا اضطر للخروج منه. الأمر ينطبق على الروايات والقصص أيضا، مؤكد توجد قصص قصيرة كتبت في هذا الشأن، أستطيع أن أخمن أنها قصص معاناة استخلصت من بعض الذين عانوا وقد تكون تمت صياغتها أدبيا، لتنضم لمشاريع الأدب، كذلك أخمن أن عشرات الروايات مقبلة، خاصة من الكتاب الذين رابطوا في الحمى، ولم يخرجوا من أحيائهم، على الرغم من أن الموت كان يحوم حولها، وربما يدخلها فجأة بلا استئذان، ونعرف كثيرا من هؤلاء، منهم أشخاص معروفون ماتوا بطلقات مدافع دخلت بيوتهم غير الآمنة، وبالنسبة للذين نزحوا داخل الوطن إلى أماكن أكثر أمنا، أولئك لديهم قصصهم أيضا عن الجوع والفقر، والبحث عن رزق، في وقت توقف فيه الرزق تقريبا.
نعم ستكتب الرايات، وستقول بخيال كاتبها ما قالته الحرب وما لم تقله أيضا، والمحصلة زخم أدبي كثير، قد لا يجد من ينشره، وإن نشر قد لا يجد من يقرأه، وإن تمت القراءة، ماذا يكون قد قدم للوطن؟
في رحلتي الكتابية الطويلة، التزمت دائما بخيط من التفاؤل، أقول دائما أن شيئا ما سيحدث ويحسن ظروف الكتابة والكتاب، شيئا سيحسن ظروف النشر، وستأتي الحقوق لكل صاحب حرف، لكن الخيط، ينقطع أحيانا، ويعود مع بادرة ما، وبالنسبة للنصوص التي تكتب، أحتفظ بتفاؤل أيضا، إن فكرتي قد تصل لكثيرين. لكن ما سيكتب عن الحرب، أجزم أن لا تفاؤل فيه، حتى بعد أن تتوقف الحرب إن توقفت.
الذي سيحدث، أننا سنتوقف لنرثي من فقدنا، ولا شيء آخر.
كاتب سوداني
- القدس العربي


























