راغب دوران
ناقش البرلمان التركي للمرة الاولى "المشكلة الكردية" خلال جلستين صاخبتين شهدتا توترا شديدا في نهاية الاسبوع المنصرم، لكن الحكومة التركية برئاسة رجب طيب اردوغان واجهت مقاومة قومية وبيروقراطية شرسة من جانب حزبي المعارضة.
وكتب المعلق الليبرالي جنيد اولسفير في صحيفة "حرييت" الشعبية حين قدم تحليلا للجلستين في البرلمان التركي في العاشر والثالث عشر من الشهر الحالي حول "الانفتاح على الاكراد" فقال "تمخص الجبل فولد فأرا".
ورأى المتخصص في شؤون الشرق الاوسط جنكيز تشاندر ان "على الحكومة ان تواصل مبادراتها الديموقراطية رغم العوائق التي تضعها المعارضة".
وينقسم الرأي العام التركي حول هذا الموضوع. فمجمل الاكراد تقريبا (نحو 15 مليون من اصل 70) والليبراليون ومعظم التيارات الاسلامية تدعم مع بعض التخفظ مشروع الحكومة، في حين ٍٍان حزبي المعارضة والجيش والتيارات القومية اليمينية المتطرفة تعارض بقوة الاصلاحات لحل المشكلة الكردية.
وكانت المشكلة الكردية احدى المحرمات للدولة التركية حتى مطلع العام الفين، بعد ان شكلت مشكلة سياسية عسكرية بقيت من دون حل منذ العام 1952 تاريخ الانتفاضة الكردية الاولى على الادارة المركزية التركية.
وبدأت العملية في حزيران (يونيو) الفائت مع اعلان الرئيس التركي عبد الله غول ان "المشكلة الكردية هي الموضوع الاهم لتركيا وامامنا فرصة تاريخية لحلها". وفي آب (اغسطس) بدأ منسق الانفتاح الكردي وزير الداخلية اتالاي جولاته على الصحافيين والجامعيين وعلى المنظمات غير الحكومية والاحزاب السياسية لجمع آرائها ومساهماتها وانتقاداتها. لكن مضمون الجولة بقي مجهولا. كان يجب وضع حد لارهاب حزب العمال الكردستاني، ولكن كيف؟. الا ان المعارضة والجبهة المناهضة للاكراد لم تتأخر في الرد ورفعت شعارات مثل "انها الخطة الاميركية للشرق الاوسط الكبير، الحكومة تقدم تنازلات للارهابيين. وانكم تدمرون الامة". شعر رئيس الوزراء بأنه يواجه صعوبات لان بعض الوزراء والمسؤولين المحليين الاتراك أبدوا شكوكا حول هذه المبادرة. غير ان هذا العنوان شهد تعديلا مع الزمن: فالانفتاح على الاكراد أصبح أولا انفتاحا ديموقراطيا ثم "مشروع اخوة" وأخيرا تحول مع تعديلات مجلس الامن القومي فأصبح "مشروع الاتحاد الوطني".
ٍفي 19 تشرين الاول (اكتوبر)، حين جاء 34 شخصا بينهم ستة عسكريين من المقر العام المركزي لحزب العمال الكردستاني، مع 28 من سكان ومن انصار حزب العمال الكردستاني من مخيم محمور في شمال العراق الذي تشرف عليه الامم المتحدة الى تركيا بناء على طلب من عبد الله اوجلان المحتجز في سجن امرالي الجزيرة الصغيرة في بحر مرمرة منذ العام 1999، تغير المشهد كليا. ويشن الحزب المذكور عمليات مسلحة ضد الحكومة المركزية منذ العام 1984 لاقامة دولة كردستان المستقلة، قبل ان يتحول اليوم لاقامة جمهورية ديموقراطية تركية كردية. وخصص آلاف الاكراد استقبالا حارا لهؤلاء الذين وصفوا بأنهم "سفراء السلام" بحسب تعبير حزب العمال الكردستاني ، من مركز الخابور على الحدود التركية العراقية حتى مدينة ديار بكر. وفي اليوم التالي أخلت محكمة متنقلة الاشخاص ال 34 بعد ان استجوبتهم مع اعضاء وانصار العمالي الكردستاني. الا ان جبهة الرفض (الجيش والاحزاب المعارضة ومجمل المجموعات القومية) ردوا بقوة. وقال دولت بهجلي رئيس حزب العمل القومي (يميني متطرف) ان "الامر يتعلق بارهابيين وانصار للعمال الكردستاني وليس مجموعة من الحجاج عائدين من مكة". ورأى دنيز بايكال رئيس "الحزب الجمهوري الشعبي" القومي المقرب من الجيش ان "القانون انتهك في الخابور".
لقد ساهمت جلستا البرلمان في زيادة حدة الاستقطاب والتناقضات الموجودة بين الحكومة والمعارضة. ففي العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي في الذكرى ال 71 لرحيل مصطفى كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، رفع نواب الحزب الجمهوري الشعبي لافتات لاتاتورك في البرلمان لقطع خطاب وزير الداخلية. وفي 13 منه تناوب رؤساء الاحزاب الاربعة الممثلة في البرلمان وهي "حزب العدالة والتنمية" الحاكم (338 مقعدا من اصل 550) و"الحزب الجمهوري الشعبي" (97 مقعدا) و"حزب العمل القومي" ( 69 مقعدا) وحزب المجتمع الديموقراطي" الكردي (21 مقعدا) على الكلام في البرلمان.
وشدد الناطقون باسم الجزب الحاكم على ضرورة وقف اراقة الدماء ، لكنهم اشاروا ايضا الى واجب تصفية حزب العمال الكردستاني. وقال رجب طيب اردوغان "لم نعد نريد ان نرى نعوش شهدائنا. لا نريد ايضا ان نرى الشبان يقتلون في الجبال امهات جنودنا وامهات الاكراد يجب ان يتوقفن عن البكاء".
اما عمر تشليك فقال ان "الانفتاح ليس ضد سيادة الامة والوطن ووحدتهما. لم نفاوض ابدا ولن نفاوض ابدا مع الارهابيين".
وانتقد ممثلو المعارضة بقوة رئيس الوزراء ونواب الحكومة طيلة سبع ساعات من الجلسات. وقال زعيم "الحزب الجمهوري الشعبي" ان "الانفتاح خطط له في واشنطن" وقال بايكال ان "هذا الذي يسمونه انفتاحا هو مشروع مشترك من حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني".
وغادر نواب "الحزب الجمهوري الشعبي" قاعة البرلمان حين تكلم اردوغان للرد على انتقادات المعارضة.
غير ان وزير الداخلية تمكن من تسجيل بعض النقاط التي تشكل جزءا لا يتجزأ من مبادرة الانفتاح على الاكراد:
ـ السماح للاذاعات بالبث 24 ساعة باللغة الكردية
ـ عدم محاكمة عشرات الشبان الاكراد المتهمين برشق الحجارة على قوات الامن امام محاكم الجنايات بل امام المحاكم الخاصة بالقاصرين.
ـ السماح لاهالي المعتقلين بالتحدث بلغتهم الاصلية خلال زياراتهم السجون
ـ ترتيبات جديدة على شكل مراسيم تشجع عودة "القراويين" الاعضاء في حزب العمال الكردستاني الى منازلهم.
ٍلكن حزب المجتمع الديموقراطي اعتبر هذه الاجراءات "غير كافية". اما حزب العمال الكردستاني الذي أبدى دعما محدودا لمبادرة حزب العدالة والتنمية فقد رأى ان "الحكومة لديها هدف أساسي هو تصفية حزب العمال الكردستاني". وشدد "المجتمع الديموقراطي" على صوغ دستور جديد ينص على "ادراج الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية بما في ذلك تعليم الكردية".
والجدل حول الابعاد الاقليمية والدولية للمشكلة الكردية يشكل ايضا موضوع الساعة. ويعتقد معظم المراقبين انه "من دون اتفاق الادارة الكردية في شمال العراق (اربيل) وتلك في بغداد لا يمكن حل المشكلة:". وقال سولي اوزيل استاذ العلاقات الدولية في جامعة بيلغي ان "انسحاب القوات الاميركية من العراق هو أمر ايجابي لكن ايضا سلبي من وجهة نظر حزب العمال الكردستاني".
وفقد حزب العدالة والتنمية الامل في البرلمان. وقال بولند ارينش نائب رئيس الوزراء "لا يمكننا النجاح مع سياسيين كهؤلاء. سنتوجه مباشرة الى الامة لنشرح بالتفصيل واجب الانفتاح". ويستعد اردوغان وعدد كبير من الوزراء وقادة الحزب الحاكم لجولات طويلة في الاناضول لاقناع الرأي العام بضرورة الاصلاحات.




















