لا تبدو فقط لعنة الفراعنة التي تلاحقنا كما يقولون، ثمة لعنة هي عالمنا العربي المفتت والمقسم، نلمس الفجوة الكبيرة بين طبقات المجتمع الواحد، وبين شعب وآخر، هذا لا يحتاج إلى عمق في التفكير حتى نعرف دواعي ذلك، فهذه سنن الله في خلقه ومن سنن الله ورسوله التلاحم والتعاضد، واقع ملموس نشعر به ونشاهده يوميا، الكفة الأولى وفي الطرف الآخر من كوكبنا العربي مترامي الأطراف بذخ وطبل وغناء وليالي ملاح وأموال تصرف لأسباب غير واقعية، مثال لا الحصر، الزواج في الأسر الثرية وصاحبة النفوذ غير منطقي ينفق المرء الكثير من أجل حفل زفاف ابنه أو ابنته.
لقد ظل هذا المنطق هو السائد ونقولها بمرارة، وفي المقابل بمقدوره أن يقنن، وهذا المنطق السليم الذي يتوافق مع الفطرة السليمة، المترفون في كل أمة – كما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله – هم «طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).
أما الكفة الثانية فهي تبدو لا توصيف لها، فشمال غزة ماثل في حرب الجوع الذي ينهش أحشاء الغزيين، وليس وسط غزة وجنوبها أفضل ولكن الحصار المضروب على القطاع زاد من حالات الجوع، كلها حرب من أجل القضاء على الغزيين.
يشرح جوناثان كوك ما يطلق عليه هندسة الموت التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي والتي تقوم على التطهير العرقي والإبادة والتجويع. لقد هندست إسرائيل مجاعة في غزة بهدف تجويع سكانها حتى الموت، ودفعهم للخروج منها، وقد تضمنت مذكرة الاعتقال التي أصدرها المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية اتهام نتنياهو بطرد السكان باستخدام المجاعة المخططة، وهذا يشكل جرائم ضد الإنسانية.
حرب بلا هوادة
نجد أن الغزيين تقلبوا على جمار الجوع ومروا بمراحل العوز وعدم توفر الطعام بدْءًا من الجوع إلى المسغبة والمخمصة، أصناف العذاب بكل ما تحمل الكلمة من معنى فحرب الجوع أشد فتكا بالإنسان، لا يوازيه شيء إلا قذائف الطائرات والمدفعية، بعد كل هذه المشاهد المؤلمة ماذا ينتظر العالم؟
للأسف العالم بشقيه الغربي والعربي الإسلامي في سبات، فالدولة المارقة” إسرائيل” ما زالت تمعن في أساليب القتل بأنواعه، السلاح الفتاك والطائرات المحملة بالسلاح المحرم دوليا، والتي تقذف حممها على رؤوس الآمنين في قطاع غزة.
وقد وصلت الحرب إلى التجويع المتعمد، نشاهد يوميا صورا مروعة تأتي من غزة لأطفال نهشهم الجوع حتى أصبحوا عبارة عن هياكل عظمية بفعل الحصار وشح الطعام والماء ومنع الدواء عنهم، أنها الحرب بكل أشكالها.
خيم النازحين
من يقرأ في التاريخ بعناية وتأمل، سيجد أساليب التفنن في القضاء على شعب أعزل لا حول له ولا قوة منذ النكبة حتى يومنا هذا، فأخبار النكبة حملت لنا الكثير عن المجازر التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني، هذا يعني حربا بلا أخلاق بكل المقاييس، عندما تدك خيم النازحين بأقوى الأسلحة الفتاكة فهذا يدلل على أنها حرب المراد منها القضاء على الوجود الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وهذا يذكرنا بما قاله رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو مقولته الشهيرة بعيد 7 أكتوبر/تشرين الأول، ملخص الحديث علينا أن ندعوهم للاستسلام، وإذا أبوا فلن يبق منهم شيخ، ولا امرأة، ولا طفل، حتى دوابهم، هذا هو سلاح توليفة نتنياهو اليميني العلماني الذي التقى مع اليمين الديني في مشروع تصفية الوجود الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
الضفة الغربية كذلك
في تسريب أخير لسموتريتش وزير المالية الإسرائيلية الذي وضح فيه خطته المستقبلية لضم الضفة الغربية وتهويدها وتجويعها كما يحدث اليوم بمنع دخول العمال الفلسطينيين لفلسطين التاريخية وقرصنة أموال المقاصة الفلسطينية، وقال إن تحويل إدارة الحكم في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية وهي خطوة من شأنها أن تنسف كل الجهود الساعية لإقامة دولة فلسطينية، لقد جاءت خطوة الزعيم المتطرف في حكومة نتنياهو بعدما شاهدنا وسمعنا عن اعتراف مجموعة دول غربية بالدولة الفلسطينية، سموتريتش ونتنياهو في سباق من أجل قضم الضفة الغربية وإعادة احتلال المناطق المصنفة ” ب “.
المشهد اليوم حرب تشنها إسرائيل على الكل الفلسطيني، وتمعن أكثر في قطاع غزة، الهدف حماية وجودها من خطر أحدق بها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول على حد تعبيرهم، مجمل القول الحرب الدائرة اليوم في غزة هي حرب أمريكية إسرائيلية مكشوفة المعالم، تهدف لحماية الدولة الوظيفية من خطر الانقراض والعالم العربي بين نقيضين، نقيض يقرع الطبول ويقيم حفلات الرقص، والنقيض الآخر تقرع له الطبول إيذانا بقصفه.
سنة مهجورة
موجز القول، المفروض العربي للعربي كالبنيان يرص بعضه البعض، لا يتم أمر العباد فيما بينهم، ولا تنتظم مصالحهم، ولا يهابهم عدوهم، إلا بالتضامن والتعاون فيما بينهم على البر والتقوى، والتكافل والتناصر، والتناصح والتواصي بالحق والصبر، قال الماوردي: “ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته”.
وبالفعل، لقد بات شعورنا مجمدا بفعل آلة التفتيت الأمريكية الإسرائيلية، فكان حلما أن نرى شرقا واحدة لكن من الأحلام ما يتوقع، هذا ما يحدث اليوم، عالمنا العربي بأمزجة وأطعمة مختلفة، حروب دامية قطعت أوصالنا.
كاتب فلسطيني
- القدس العربي


























