دمشق – «القدس العربي»: يجبر أهالي المحافظات الجنوبية من سوريا النظام السوري – في كثير من الأحيان – على الخضوع لاتفاق مقايضة للإفراج عن الشبان الذين يجري اعتقالهم تعسفياً، بعد اختطاف الفصائل المحلية عناصر وضباط للمبادلة عليهم، أو بعد خلق حالة من التوتر في المنطقة، حيث يقطع الأهالي الطرقات ويهددون بالتصعيد في حال عدم الإفراج عن المعتقلين الذين يطالب الأهالي بهم.
وفي آخر الأحداث، احتجزت فصائل السويداء المحلية، أمس الخميس، 5 عناصر من قوات الجيش والأمن، على خلفية اعتقال شاب من أبناء المحافظة أثناء مغادرته إلى الأراضي اللبنانية.
ووفقاً للمتحدث باسم شبكة “السويداء 24” ريان معروف لـ “القدس العربي” فإن العناصر المحتجزين هم نقيب وثلاثة برتبة صف ضباط وشرطي، حيث تشترط الفصائل المحلية لإطلاق سراحهم إفراج النظام السوري عن ثلاثة معتقلين تم اعتقالهم بظروف مختلفة.
مفاوضات مع النظام
وأضاف: “احتجزت الفصائل المحلية الضباط داخل مدينة السويداء، أثناء تواجدهم على رأس عملهم في شوارع المدينة، كما دخلت في مفاوضات مع النظام عبر وسطاء للإفراج عنهم، مشترطة إطلاق سراح كل من مرهف الحيناني وسلمان الشاعر، وبهاء الشاعر، من أبناء المحافظة”.
وتعرض بهاء الشاعر لعملية خطف مطلع شهر مايو/ أيار الماضي، حيث تبين لاحقاً انه معتقل لدى أحد الأجهزة الأمنية، وفق ما أفاد مصدر من العائلة، بينما اعتقل سلمان الشاعر، يوم أمس أثناء مغادرته الأراضي السورية إلى لبنان.
المرصد السوري لحقوق الإنسان، قال إن الشاعر اعتقل برفقة سوريين آخرين من قبل السلطات اللبنانية ومن ثم تم تسليمهم إلى أجهزة النظام الأمنية، وهو شاب متخلف عن الخدمة الإلزامية، وحاول السفر بغية العمل في لبنان.
وطالب ذوو الشاب بالإفراج الفوري عنه، وكشف مصيره، وحذروا من التصعيد خلال مهلة مدتها 24 ساعة، في حال لم يطلق سراحه.
بموازاة ذلك، كشفت الاحتجاجات خلال اليومين الماضيين، في مدينة جرمانا التي يقطنها أغلبية درزية، بريف دمشق، عن واقع متردٍ يعاني منه مئات الآلاف من السكان نتيجة عدم توفر مياه الشرب، في ظل ظروف اقتصادية شديدة التدهور.
وخلال اليومين الماضيين، خرج العشرات من سكان المدينة للاحتجاج في مشهد نادر على مدينة التي يصطف غالبية سكانها إلى جانب النظام السوري منذ عام 2011.
وشبكة أخبار جرمانا، وهي صفحة محلية تغطي أخبار المدينة، تحدثت أمس عن اجتماع عقد في مجلس مدينة جرمانا لبحث أزمتي المياه والكهرباء، بحضور فعاليات اجتماعية وأهلية من المدينة والعديد من الشبان، ومدير الشركة العامة لكهرباء ريف دمشق، ومدير مؤسسة المياه بريف دمشق، وأمين شعبة الغوطة، ومدير الناحية.
وناقش المجتمعون أزمتي الكهرباء والمياه، حيث طالب أهالي المدينة بتحسين التقنين إلى ساعتي وصل مقابل أربع ساعات قطع. بينما رفع مجلس المدينة كتاباً رسمياً لمحافظ ريف دمشق، يوضح مجريات الاجتماع، للمتابعة من قبله مع الجهات المسؤولة.
ووفقاً لمشاهد عرضتها شبكة “السويداء 24” فإن الاحتجاجات صامتة وتخللها إغلاق الطرق والساحتين الرئيسيتين بالدراجات النارية والسيارات، مما أدى إلى أزمة سير في الخاصرة الجنوبية للعاصمة دمشق.
ويؤكد المحتجون أن مطالبهم واضحة ومحددة في زيادة ساعات وصل الكهرباء وتحسين عملية ضخ المياه. كما يرفض المتحدثون كشف أسمائهم أو تصويرهم، ويشددون على أن مطالبهم تتعلق بالجانب الخدمي فقط، مؤكدين على عدم تحويرها إلى شعارات سياسية.
ومنذ عدة شهور، لا تصل الكهرباء إلى غالبية أحياء جرمانا إلا أربع ساعات من أصل أربع وعشرين ساعة، في ظل نظام تقنين مجحف. انعكس واقع الكهرباء على خدمة المياه، فباتت بعض الأحياء لا تصلها مياه الشرب إلا مرة واحدة كل شهر، وأحياناً كل شهرين.
وعندما يجري ضخ المياه، “لا تصل إلا للطوابق الأولى، رغم وجود خط مياه معفى من التقنين الكهربائي يغذي آبار المدينة. مع ذلك تأتي المياه ضعيفة لحاجة المضخة لطاقة أكبر من أجل ضخ المياه بشكل جيد، وفق تصريح سابق لرئيس مجلس مدينة جرمانا”.
ويلجأ غالبية السكان لشراء نقلات المياه بشكل يومي، ويصل سعر البرميل الواحد إلى عشرين ألف ليرة سورية، وترتفع التكلفة في حال كان الضخ إلى طوابق مرتفعة.
يقول أحد إنه يحتاج لحوالي مليون ليرة شهرياً لشراء المياه، في وقت يبلغ متوسط راتب الموظف فيه 300 ألف ليرة سورية.
ووفقاً للمصدر، فإن استياء السكان بات مثل كرة نار تتراكم منذ العام الماضي، وبلغت ذروتها الصيف الحالي مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، وغياب أي اهتمام حكومي بمعاناة السكان في مدينة تختنق فعلياً، حتى وصل الحال ببعض سكانها للاحتجاج على طريقتهم، والتعبير عن سخطهم من الواقع المعيشي.
أين ذهبت المليارات لتوفير المياه؟
يقول أحد سكان المدينة إن أزمتي الكهرباء والمياه تدهورتا منذ تنفيذ الحكومة السورية خط كهرباء معفى من التقنين وربطه مع 41 بئر مياه تغذي المدينة في عام 2023، بهدف تحسين خدمة المياه، في خطوة كلفت المليارات.
وما إن انتهى المشروع، حتى تدهورت خدمتا الكهرباء والمياه بشكل ملحوظ، وباتت المدينة تغرق في الظلام، ويشتكي سكانها من العطش، وفق ما أكد المصدر ذاته وشخص آخر يشارك في الاحتجاجات.
فبعد تنفيذ الخط المذكور، حرمت الحكومة غالبية أحياء مدينة جرمانا من تغذية الكهرباء الليلية بذريعة توفير المياه، “فلم يبقَ ماء ولا كهرباء”، واللافت حديث السكان عن بيع الحكومة خط الكهرباء المعفى من التقنين إلى فعاليات اقتصادية وملاهٍ ليلية ومنشآت معينة.
كما يشكو السكان من تمييز أحياء في نفس المدينة، أو في قلب العاصمة، على حساب أحيائهم، بتوفير ساعات الكهرباء في أحياء معينة أكثر، وضخ المياه بشكل منتظم.
وهذا ما يؤكده تصريح سابق لمدير مؤسسة الكهرباء، الذي قال إن وجود منشآت مهمة هو سبب وجود مناطق “مدللة” كهربائياً.
أحد الشباب المشاركين في الاحتجاجات، في مطلع الثلاثين من العمر، قال لـ “السويداء 24” إن مطالبهم واضحة ومحددة، وتتلخص بزيادة ساعات وصل الكهرباء وتحسين عملية ضخ المياه، مشيراً إلى أن احتجاجاتهم لا تحمل طابعاً سياسياً. ويضيف المصدر: “لكل منطقة ظروفها، لم نخرج لاستبدال أسماء ساحاتنا، أو لرفع أعلام وشعارات سياسية. نتمنى تفهم هذا الأمر ومراعاة ظروفنا ونقل صوتنا ومطالبنا كما هي، دون أي تحريف فيها. وهذا لا يعني أننا لا نحترم مطالب غيرنا، لكن نتمنى في نفس الوقت احترام مطالبنا وطريقتنا في التعبير عنها”. وتحدث المصدر عن محاولات مستمرة من وجهاء مدينة جرمانا لاحتواء الاحتجاجات، عبر وعود يحصلون عليها من بعض المسؤولين هنا وهناك.
هذه الوعود لا تبدو واقعية حتى الآن، وفق تصريح سابق لمدير مؤسسة الكهرباء: “لا يمكن أن يتحسن واقع الكهرباء ما لم يتحسن واقع التوريد”.
وتحظى احتجاجات جرمانا بقبول شعبي، حسب ما رصدت السويداء 24 من تفاعل أهالي المدينة على شبكات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد بعض السكان أن استمرار تجاهل الحكومة لهذه المطالب البسيطة قد يؤدي إلى توسع رقعة الاحتجاجات ومشاركة أعداد أكبر فيها.
- القدس العربي


























