دمشق – «القدس العربي»: في لقاء هو الأول منذ مارس/ آذار من العام الماضي، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء، رئيس النظام السوري بشار الأسد، في موسكو، وقال الكرملين الخميس، إن الرئيس الروسي ناقش مع نظيره السوري مجموعة كبيرة من القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط منها احتمال عقد اجتماع بين الأسد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وذلك بموازاة جهود تركية كشف عنها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الخميس، في سبيل تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، مشيرا إلى عدم وجود أي شرط مسبق بين الطرفين، مشيدا بالدعم الذي تقدمه الجامعة العربية والدول الأعضاء فيها لجهود التطبيع، وخاصة الدول المجاورة لسوريا.
وذكر التلفزيون الروسي أمس الخميس، أن بوتين بحث مع الأسد “التصعيد” في الشرق الأوسط، وذلك على خلفية الحرب التي يشنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة.
وقال بوتين متوجها لنظيره السوري “يهمني كثيرا رأيكم حول تطورات الوضع في المنطقة برمتها. للأسف، يميل الوضع إلى التصعيد، هذا ما نشهده. وسوريا معنية مباشرة بذلك” في إشارة إلى الحرب في غزة والتوتر على الحدود بين إسرائيل ولبنان حيث يجري تبادل إطلاق نار شبه يومي مع حزب الله المدعوم من إيران، حليفة سوريا أيضا.
وبحسب ما نقلته قناة “روسيا اليوم “، عن مصادر خاصة فإن الغاية الجوهرية من زيارة العمل التي أجراها الرئيس بشار الأسد إلى روسيا والتقى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين كانت البحث المعمق في التطورات السياسية والعسكرية الحاصلة في الشرق الأوسط وما تقتضيه من تبادل للآراء حيال التعامل المشترك مع هذه التطورات.
وذكرت المصادر القريبة من اللقاء بين الرئيسين أن النقاش حمل توافقاً تاماً حيال توصيف المخاطر القائمة من جهة والتوقعات والاحتمالات المقبلة من جهة أخرى.
سوريا والانسحاب التركي
وقالت وكالة أنباء النظام الرسمية، سانا، الخميس، إن الرئيس بشار الأسد أجرى زيارة عمل إلى روسيا التقى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين وبحث معه مجمل جوانب العلاقات بين البلدين، كما بحث الوضع في منطقة الشرق الأوسط والتطورات المتسارعة التي تعيشها، وجوانب التنسيق المشترك للتعامل معها.
وحول مسار تطبيع العلاقات بين تركيا والنظام في دمشق، ذكرت سانا: إن الرئيس الروسي على اطلاع تام مسبق عبر مبعوثه الخاص ألكسندر لافرنتييف على موقف الرئيس الأسد حيال العلاقة مع تركيا والتي يجب أن تنطلق من أسس ومرجعيات حول الانسحاب التركي من الأراضي السورية، وكذلك حول مكافحة جميع التنظيمات الإرهابية في الشمال السوري.
وفي آذار/مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق على خلفية النزاع في سوريا وقدمت دعماً للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة.
لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو “القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي” قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية. ويرجح مراقبون وخبراء لـ “القدس العربي” أن يكون مسار الدبلوماسية صعبا، لذلك ستتجه الخطوات المقبلة لأن تكون مزيجا من مسارين متوازيين، أولهما مواصلة جهود الوساطة من قبل عدة أطراف لحلحلة العقد بين الطرفين وتقريب وجهات النظر، والثاني هو المسار التقني للوصول إلى خارطة طريق للقضايا الإشكالية.
ولدى تركيا أهداف عدة تسعى إليها من وراء تطبيع العلاقات مع النظام السوري، على رأسها الحاجة للتنسيق الثنائي لاحتواء خطر الإدارة الذاتية وارتدادات أي سياسة أمريكية مستقبلية تجاه سوريا، فضلاً عن انتزاع اعتراف رسمي مقونن من النظام (باعتباره يمثل الدولة السورية) ينظم التواجد العسكري التركي في الشمال ويضبط أمن الحدود، إلى جانب الرغبة التركية بإعادة تموضعها في الملف السوري لتصبح أقرب إلى وسيط بين النظام والمعارضة، وما يمكن لذلك من تسهيل عودة اللاجئين من تركيا إلى سوريا، فضلاً عن اعتبارات اقتصادية تتعلق بمعادلات خطوط التجارة والتنمية إقليمياً، وإن كان الأمر يواجه العديد من التحديات.
ولا تزال تركيا تستضيف نحو 3 ملايين و 200 ألف لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم أردوغان إعادتهم الى بلدهم.
وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وأردوغان.
فيدان والخطوات المشتركة
في غضون ذلك، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن هناك خطوات يجب أن تتخذها تركيا بالتعاون مع الدولة السورية مثل ملفات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وعودة اللاجئين.
وتطرق في مقابلة تلفزيونية إلى ملف سوريا وجهود تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، مشيرا إلى أن تركيا تريد تطبيع العلاقات مع سوريا على غرار تطبيع العلاقات مع دول في المنطقة.
وحول شروط النظام السوري وخروج القوات التركية من سوريا، أشار فيدان إلى أنه “حتى الآن لا يوجد أي شرط مسبق تم التواصل بشأنه، أساسا، لدينا بعض القضايا في منظورنا، وهناك بعض القضايا في منظورهم، مضيفا: إذا كنا سنضع شروطاً لبعضنا قبل أن نتحدث، فليس هناك معنى للحديث أصلا، فالمحادثات موجودة لحل المشكلات بطريقة حضارية، الناس يتحدثون لحل المشاكل”.
وتابع “تركيا دولة قوية، ولا تبحث عن محادثات بسبب عجز أو يأس، على العكس، ما يدفعنا لهذا هو نضجنا، ونحن نركز على تأثيرنا الدبلوماسي وحاجة المنطقة للسلام أكثر من التركيز على شيء أخر”. وأشاد فيدان بالدعم الذي تقدمه الجامعة العربية والدول الأعضاء فيها لجهود تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، وخاصة الدول المجاورة لسوريا.
وأضاف “دعمهم وموقفهم مهم، ونحن على تواصل معهم، نتحدث إلى السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن، وإلى بقية الأشقاء”.
وحول الملفات التي ترغب تركيا في حلها، قال: أكثر من نصف السوريين يعيشون حاليا خارج البلاد، يجب أن يتمكن هؤلاء من العودة إلى بلادهم بأمان، ثانيا: مسألة الإرهاب، يجب تطهير سوريا منها، خاصة مناطق العرب المحتلة من قبل تنظيم بي كي كي، وهناك منشآت نفطية استولى عليها التنظيم، يعني أن هناك منظمة إرهابية اغتصبت موارد الشعب السوري. وضرورة محاربة التنظيم لتحرير النفط ومصادر الطاقة منه وإعادتها إلى الشعب السوري، مؤكدا أن التنظيم يمول حربه ضد الشعب السوري والدولة التركية من إيرادات تلك المنشآت النفطية.
وعن مسألة المعارضة السورية، والمناطق التي تسيطر عليها، قال: كلها قضايا يجب أن تُناقش في إطار قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، كما أن وجهة نظر وتفضيلات المعارضة السورية الشرعية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي والنظام الدولي هي الأساس، مشيرا إلى أن المعارضة السورية شاركت النظام في أعمال صياغة دستور جديد للبلاد في جنيف.
وقال فيدان: “كما قمنا بتطبيع العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة في المنطقة، فإننا نريد أن نتخذ بعض الخطوات اللازمة في بعض النقاط مع سوريا أيضا، وأعلن رئيسنا، سياستنا في هذا الشأن، فنحن مستعدون لبدء الحوار على كافة المستويات، بما في ذلك الرئاسة، لحل المشكلات القائمة، وهذه دعوة قيمة ومهمة جدا، هناك حاجة للاجتماع والتحدث لحل المشكلات”.
ولفت فيدان – بحسب وكالة الأناضول التركية- إلى أن البلدين أجريا محادثات عبر قنوات متعددة منذ عام 2017، ساهمت في وقف الاشتباك بين المعارضة والنظام في سوريا.
وأوضح أن “فترة الهدوء المستمرة من 6 – 7 سنوات أتاحت للنظام السوري، الفرصة لحل بعض مشكلاته السياسية وحل مشكلات البنية التحتية والاقتصادية، والآن علينا تحويل هذه الحالة المؤقتة إلى حالة أكثر ديمومة.
وأضاف: يجب أن تسير هذه الأعمال بشكل صحيح، في الواقع، قدم مجلس الأمن الدولي من خلال القرار 2254 خارطة طريق مختصرة وواضحة للتوافق الداخلي، وهناك خارطة طريق واضحة للغاية تتعلق بما يجب أن تفعله المعارضة والنظام معا، هذه خارطة وضعتها المنظومة الدولية، ونحن ندعم عمل الطرفين في إطار هذه الخارطة، وهناك خطوات يجب أن نتخذها في تركيا بالتعاون مع الدولة السورية، تشمل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى عودة اللاجئين بشكل آمن وحر. وأردف: “لقد مددنا يد العون لأشقائنا اللاجئين السوريين، وفقا لما يقتضيه حق الأخوّة. على مبدأ مؤاخاة المهاجرين والأنصار كما وصفها رئيس جمهوريتنا. تركيا هي دولة تساعد الأشخاص الذين يواجهون صعوبات، والذين يواجهون خطر فقدان حياتهم. لقد فعلنا ذلك في العراق أيضاً وكذلك في دول الأخرى عندما واجهتها مشكلات. مدّ يد المساعدة هو جزء من ثقافتنا”.
- القدس العربي


























