هجوم رئيس الحكومة السورية المؤقتة على أبرز معاقل الثورة ووصفها بأنها «بؤرة الشغب والفوضى» لا يمكن أن يمر دون حساب من قبل آلاف المتظاهرين الذين قطعوا علاقتهم بمؤسسات المعارضة جميعها.
قطعت الجبهة الشامية أبرز فصائل الجيش الوطني المعارض «شعرة معاوية» بينها وبين رئيس الحكومة السورية المؤقتة، عبد الرحمن مصطفى، حيث أعلنت يوم الأربعاء «تجميد التعاون» مع الحكومة التابعة للائتلاف الوطني المعارض، وطالبت بسحب الثقة منها، وإحالة رئيسها عبد الرحمن مصطفى إلى القضاء كي «ينال جزاءه العادل» حسب نص البيان الذي نشرته «الجبهة الشامية» على معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي وجرى تداوله بشكل كبير في أوساط الناشطين والمعارضين السياسيين.
واتهمت «الجبهة الشامية» رئيس الحكومة بـ«تعمد الإساءة إلى بعض الجهات الثورية» بما يعزز «رواية الأعداء المغرضة عنها باتهامها بالتخريب والإرهاب». وادعت أن مصطفى «خص الجبهة الشامية بسيل من الافتراءات السياسية والجنائية، واختلاق الجرائم بحقها» وعزا البيان دوافع رئيس الحكومة إلى اعتراضه على خطة الجبهة للإصلاح والتغيير».
وجاء موقف الشامية الحاسم تجاه مصطفى بعد يوم من اجتماع في مطار غازي عنتاب التركية، ضم مسؤولين أتراك وقيادة المعارضة السياسية السورية وقادة الفصائل، وحضر اللقاء من الجانب التركي مسؤول الملف السوري في وزارة الخارجية التركية مصطفى يوردا غول، ومسؤول الملف في الاستخبارات التركية ومنسقو القطاعات في مناطق عفرين وريف حلب الشمالي وتل أبيض وراس العين.
وعن الجانب السوري، حضر الاجتماع كل من هادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني المعارض، وبدر جاموس رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، ورئيس الحكومة السورية المؤقتة ووزاء حكومته السبعة وعلى رأسهم وزير الدفاع العميد حسن حمادة وقادة الفيالق العسكرية الثلاثة المكونة للجيش الوطني وقادة الصف الأول في أبرز الفصائل العسكرية، بينهم عزام غريب (أبو العز سراقب) قائد «الجبهة الشامية» وأحمد الهايس (أبو حاتم شقرا) قائد حركة التحرير والبناء وفهيم عيسى قائد فرقة السلطان مراد وسيف بولات قائد فرقة الحمزة ومحمد الجاسم أبو عمشة قائد فرقة سليمان شاه، والأمين العام لمجلس القبائل والعشائر السورية جهاد مرعي.
إضافة لمن ذكر، شارك في الاجتماع ممثلو فيالق الجيش الوطني وقادة الجبهة الوطنية للتحرير في إدلب، وهم منذر سراس والعقيد فضل الله الحجي عن «فيلق الشام» وطارق صولاق عن الفرقة الساحلية الأولى وفراس المصري والعميد عبد الباسط عبد اللطيف عن الفيلق الأول، وممثلو الفيلق الثاني، عبد الملك عبود من فرقة الحمزة ومعتز رمضان من فرقة سليمان شاه (العمشات) والعقيد أحمد عثمان، كما حضر عن الفيلق الثالث كل من بهجت أتاسي ممثل الجبهة الشامية وياسر دلوان ممثل جيش الإسلام في الائتلاف المعارض.
ومن الائتلاف حضر أمين عام الائتلاف هيثم رحمة ونائب رئيس الائتلاف عبد المجيد بركات، وعبد العزيز تمو رئيس رابطة الكرد المستقلين. كما حضر مدير إدارة الشرطة العسكرية العميد خالد الأسعد ورئيس إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني حسن الدغيم.
وبخلاف المتداول أكد مصدران حضرا الاجتماع أنه لم يحصل أي تراشق بين رئيس الحكومة السورية من جهة وقائدي الجبهة الشامية وحركة التحرير والبناء، وانما جاء انفعال مصطفى بعد مداخلة حسن الدغيم التي أكد فيها على مطالب الحراك في ريف حلب الشمالي وتقصير الحكومة في أعمالها وطالب بتحقيق الحوكمة العادلة وانتخاب حكومة جديدة، وهو ما تبناه قائد الجبهة الشامية أيضا.
تلك الدعوات أخرجت رئيس الحكومة المؤقتة عن طوره، وجعتله يقول لرئيس هيئة التوجيه السياسي في الجيش الوطني حسن الدغيم «أنت موظف بالحكومة وتأخذ مرتبك مني، وتدعو إلى انقلاب علي لذلك يحق لي محاكمتك».
وفي الإطار شن هجوما لاذعا على بعض الفصائل وعلى رأسها الجبهة الشامية حيث اتهمها باحتكار عائدات معبر باب السلامة وجني 17.6 مليون دولار منذ سيطرتها على المعبر عام 2012 ووصفها بأنها من تعطل عمل حكومته. واتهم رئيس الحكومة أهالي مدينة اعزاز بانهم «بؤرة الشغب والفوضى» ولم يرد على كلام مصطفى أي من قادة الفصائل وختم رئيس الائتلاف هادي البحرة الاجتماع بحديث عاطفي أكد من خلاله على ضرورة التلاحم في مواجهة القادم والمغيرات السياسية.
ونقل أحد مصادر «القدس العربي» أنه بعد انتهاء الاجتماع طالب حسن الدغيم من رئيس الائتلاف إقالة عبد الرحمن مصطفى.
في سياق منفصل، كرر المجتمعون معوقات عمل المجالس المحلية وخصوصا فيما يتعلق بالمنسقين الأتراك التابعين للولايات التركية والوزارات والذين يقيمون في المجالس الرئيسية ويفرضون بيروقراطية على عمل المجالس بسبب تداخل الصلاحيات فيما بين وزاراتهم والولايات.
من جهة أخرى أصدرت الحكومة بيانا عقب انتهاء الاجتماع في مطار غازي عنتاب، أكد اتفاق المجتمعين على أن «مواصلة هيكلة الجيش الوطني السوري وتوحيد الفصائل تحت مظلة واحدة من شأنه أن يعزز الاستقرار والأمن في المناطق المحررة».
وجاء في البيان، أن المشاركين شددوا على «أهمية تعزيز التواصل بين الائتلاف الوطني وقاعدته الشعبية، وزيادة تواجده الفعلي على الأرض، ما يعزز الثقة والتعاون بين القيادة والشعب» حسب نص البيان. وقال عضو في الهيئة السياسية للائتلاف الوطني، فضل عدم ذكر اسمه، في حديث مع «القدس العربي» إن «هناك شعورا بالغضب من البيان الذي أصدره رئيس الحكومة دون الرجوع للمؤسسة التي يتبعها».
وحول قضية معبر أبو الزندين قال البيان إن المشاركين ينظرون إلى أهمية المعبر باعتباره معبرا «حيويا إنسانيا واقتصاديا يؤثر إيجاباً على الوضع الاقتصادي والإنساني في المنطقة».
وزاد البيان أن إعادة تشغيل المعبر «ليس له أية علاقة بأي من ملفات التطبيع مع النظام السوري، بل هو خطوة تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية وتسهيل الحركة التجارية والإنسانية في المناطق المحررة» واللافت أن العبارة الأخيرة أتت كجزء من حديث مسؤول الملف الأمني التركي والذي اعتبر أن قضية فتح المعبر هي شأن خاص ولا تسعى أنقرة لفرضه على أحد، إلا أنه أبدى استغرابه من الإصرار على ممانعة إعادة تشغيله وهو الذي كان فعالا حتى انتشار جائحة كورونا.
وشدد المسؤولون الأتراك على اعتبار مسار التطبيع مع النظام السوري مجرد مناورة سياسية، وهو نفس التبرير الذي قاله وزير الخارجية التركي حقان فيدان في اجتماع مع هادي البحرة وبدر جاموس وعبد الرحمن مصطفى بالعاصمة أنقرة خلال شهر آب (اغسطس) الماضي.
وفي ريف حلب الشمالي، يتعرض اعتصام الكرامة إلى حملة شيطنة واسعة النطاق من الفصائل الأكثر قربا إلى أنقرة، ويتلقى القائمون على الاعتصامات تهديدات بفضه بالعنف من قبل أطراف مختلفة في مقدمتها رئيس الحكومة السورية المؤقتة.
حملات التحريض آنفة الذكر لاقت استنكارا واسعا من قبل الأحزاب والتشكيلات السياسية ومثقفين ومعارضين سياسيين. وأصدرت قوى سياسية بيان تضامن مع الحراك الثوري في ريف حلب الشمالي، أبرزها؛ الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء ومؤتمر القوى الوطنية السورية وحزب الشعب الديمقراطي السوري – الهيئة القيادية والكتلة الوطنية الديمقراطية السورية وتجمع العمل الوطني في الساحل وحزب بناة سوريا وحزب اليسار الديمقراطي السوري، إضافة لشخصيات سياسية وأكاديمية منها أحمد برقاوي وبرهان غليون وجبر الشوفي ومحمد صبرا ومضر الدبس وعمر ادلبي وفداء الحوراني وندى الخش ونوري الجراح ومعقل زهور عدي وآخرين.
وخاطب البيان رئيس الحكومة المؤقتة بشكل شخصي، مذكرا بأن الشعب السوري كله معني بما يجري في الشمال السوري، و«يرفض كل الرفض التحريض على الحراك وزرع بذور الفتنة بين الشعب والفصائل وفيما بين الفصائل في ظل وجود السلاح ومخاطر المواجهات المسلحة».
الجدير بالذكر أن رئيس الحكومة السورية المؤقتة هو الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني المعارض، ويرأس الحكومة منذ العام 2019 ورغم تغيير وتبديل مقاعد الرئاسات في الائتلاف الوطني عدة مرات، لم يتمكن أعضاء الهيئة العامة في مؤسسة المعارضة من إقالة مصطفى رغم اللغط الكثير حوله منذ ترؤسه للائتلاف الوطني. حيث اعتاد الرجل التركماني على الضرب بسيف أنقرة ولا يتردد في أي اجتماع من وصف الرئيس التركي اردوغان بـ«رئيسنا» ويعتبر نفسه صاحب الحظوة الكبرى لدى جهاز الاستخبارات التركية ويرفض دائما مغادرة منصبه الذي يشغله من نحو خمس سنوات رغم كل حملات الرفض والسخط ضده، رافعا شعار «لا أستقيل لا أُقال» إلا أن هجومه في الاجتماع المغلق على أكبر مدن الشمال السوري وأحد أبرز معاقل الثورة ووصفها بأنها «بؤرة الشغب والفوضى» لا يمكن أن يمر دون حساب من قبل آلاف المتظاهرين الذين قطعوا علاقتهم بمؤسسات المعارضة جميعها قبل تصريحات رئيس الحكومة، فكيف هو الحال بعدها!
- القدس العربي


























