ما كلُّ ما يتمنّى المرء يُدرِكُه… قالها المتنبي الكبير في ظروف أقل سوءاً من ظروفنا الحاضرة. فما الذي كان سيقوله لو كان حاضراً معنا في هذه الأيام اللاّتوصف؟ فالرياح في زماننا تجري بما لا تشتهي السَفَنُ، أي السفّانون، أصحاب السُفُن، ولا غيرهم من الباقين على اليابسة، فما في اليد حيلةٌ ولا قدرةٌ لبني البشر المساكين، من أمثالنا، على تغيير ما حلّ بهم على يد من بيده القدرةُ من أصحاب النفوذ؛ فقد «ساسَ الأنامَ شياطينٌ مصوّرةٌ /في كل قطرٍ من الباغين شيطانُ». ولا أجرؤ على ذكر اسم الشاعر اللامنتمي صاحب هذا الوصف الدقيق، خشيةَ اتهامه بالانتماء إلى هذا التجمُّع أو ذاك من أصحاب التجمّعات التي انتشرت مثل الفطر بعد أول زخّة من مطرٍ جاء في غير أوانه. ولكنها إلى زوال، كما يحلم الحالمون، من أمثالنا المساكين، ولكن «ليتَ وهل ينفعُ شيئاً لَيتُ» ونعذر الشاعر عن «لَيتُ» هذه التي سارع في إصلاحها إلى «ليتَ شباباً بوعَ فاشتريتُ» فوقع في غلطة أخرى في المبني للمجهول على غير عادة العرب.
والكتابة في مثل هذه الظروف اللا مؤاتية تكون نوعاً من الهروب من الواقع الملموس المحسوس، ولا نقول دفن الرؤوس في الرمال كما تقوّلوا على النَعام. فالطائر الذي يشعر بالخطر يحاول تحاشيه لا تجاهله بدفن الرأس في الرمال، فلا يعود يرى من أين يأتيه الخطر، بل يحاول مقارعته أو الهروب منه في الأقل.
والكتابة في الزمن الرديء نوع من الهروب إلى الماضي الأسعد من الحاضر، كما يراه الكاتب أو الشاعر. وفي قصيدة نزار الهائلة: «هوامش على دفتر النكسة» ما يكفي من الأمثلة وما يوحي بالمزيد من الصور المؤلمة. فقد مات الكلام ولم يعُد فيه من فائدة سوى ما تستحضره الذاكرة من صور لم يعد لها وجود في الواقع.
«أنعى لكم يا أصدقائي اللغةَ القديمة/والكتُبَ القديمة/أنعى لكم، أنعى لكم/نهاية الفِكر الذي قاد إلى الهزيمة. فانقلبت الأشياء إلى أضدادها: مالحةٌ في فمنا القصائد/مالحةٌ ضفائر النساء. فسألني أحد الأذكياء: لماذا مالحة؟ فأجبته مرغماً: لأنها لم تعد حلوة كما كانت في السابق. ألا تدرك هذا، ياهذا؟».
وربما كان الحديث عن الحب، في زماننا اللا يوصىف، هذا، نوعاً من محاولة العودة إلى الماضي الجميل. ولا يفيدنا القول هنا بأن هذا الشعر عذب ولو أنه غير كاذب. فكثير من الشعر الصادق عذب كذلك.
وقد يكون الشعر الصادق مؤلماً قدر ما هو مؤلم صدق وصف المشاعر في قصيدة نزار. ففي واحدة من قصائد عبد الرزاق عبد الواحد، التي تتكلم عن الحب، ولكنه حب الوطن، بحماسة لا تقصِّر كثيرا عن وصف الحب الدنيوي من حبيب لحبيبته:
«إرفعوا الآن أوجهكم/ولتقِس كلُّ عينٍ مسافة ما بينها والرجولة/ولتقِس كلُّ عينٍ مسافة ما بينها والدمِ المُتَخثِّر فوق الدروع وأُغطيةِ العربات…».
وفي قصائد مشابهة يصرخ الشاعر بالجيش العائد من قتال العدو بعد أن كان على مسافة قريبة من النصر: «لِمْ رجعوا؟» والجواب يأتي همساً لا يجرؤ أن يصرِّح به الشاعر أو الجمهور: إنها السياسة الخائنة التي تأتمر بأوامر السياسيين وأصحاب النفوذ الخَوَنة. وليس بوسع الشاعر ولا سامعيه إلا محاولة يائسة لكظم الغيظ! هذا النوع من الشعر جارح في صِدقهِ، وهنا لا نبحث عن العذوبة، بل نتَمتّع بهذا الصدق المؤلم، وليقُل علم النفس عن هذا التمتُّع ما يقول من مصطلحات نحَتوها نحتاً.
وفي قصيدة أخرى يصيح عبد الرزاق:
«بسمِ العراق/أُكَسِّرُ الأختامَ عن صوتي المُدمّى/ بي ما أنوءُ بهِ/وقد سمَّيتُ حتى الغَيب/ لكن الذي بي لا يُسمّى…».
ويستمر الشاعر في تقلُّبه بلواعج الحب للوطن التي لا يستطيع تسميتها، والجمهور ما يزال راغباً في معرفة ما يريد الشاعر قوله. فيسألون يائسين: «خائفٌ؟» ويأتي الجواب سؤالاً صادما: «مَن تُراني أخاف؟… قد ورِدتُ الأسى من جميع الجهات/وشربتُ من الموت حتى نَضَب»… وهذا جواب غير كافٍ، في الحق، فيَتبعَه سؤال لا يقل مفاجأة: «غاضب؟» وجاء سهم «اللا يُسمى» في شكل: «من جميع العرب!».
الصراحة الجارحة
الكتابة بمثل هذه الصراحة الجارحة كما وجدنا في قصيدة نزار، وعدد غير قليل مثلها في الصراحة والمرارة، وفي عدد من قصائد عبد الرزاق عبد الواحد، ظاهرة تشدّ الانتباه عند القارئ العربي المعاصر من محبي الشعر. ولا يوجد القليل من الشعر السياسي الذي يهاجم الأنظمة السياسية المعاصرة في البلاد العربية، وبعضها لا يرتفع كثيرا عن مستوى السُباب والإهانات وبلغةٍ بذيئة أحيانا. ولكن الرهافة في القول والإشارة في قصائد نزار وعبد الرزاق، ولا أحسب أن الكثير من أمثالها يوجد في الشعر العربي المعاصر، هي من الظواهر التي نعتز بها، وأحسبُ أنها ستبقى مَعلَمَة بارزة في الشعر العربي المعاصر.
و»ظاهرة» الشاعر أحمد مطر غير مستغرَبة البروز في العراق الحديث، على الرغم من الصعوبات التي تعترض المتميزين من الشعراء والأدباء في العراق في هذه الأيام. فالرجل «بصراوي» من رهط سعدي يوسف والسياب وبقية العِشرة الجنوبية الذين يتنفّسون الهواء مثل بقية البشر لكنهم ينفثونه شعراً. وشعر أحمد مطر لا يخرج كثيراً عن موضوعات السياسة المحلية و«رجالها» المسؤولين الذين لم يُبقِ عليهم «سِتْر» مغطّى، كما تقول عجائزنا الطيبات. وهو لا يقصِّر في الشتائم التي لا تبتعد كثيرا عن البذاءة، ولكنها لا تصل إلى درجة لغة مظفر النواب الذي لا بذاءة بعد لغته. ولكنها «تفوّخ الكَلب» كما يقول أهل الجنوب في العراق أي أنها «تبرِّد» القلب.
والكتابة في الزمن الرديء تتطلّب شجاعة خاصة عند الشاعر والأديب بصورة عامة، وبراعة في قول الشيء وضده في الوقت نفسه. وهذه لا تتأتى إلا للقليل من الأدباء والشعراء. وبعض الكتابات الجريئة في الأزمنة الرديئة كادت أن تودي بأصحابها في مناسبات عديدة، حتى عند أبرع الشعراء والأدباء في بلادٍ مختلفة، لولا لطف الله.
وليس جميع كبار المسؤولين في السياسة والرياسة يتمتعون بروح الفكاهة أو المسامحة. فإذا كان الشاعر أو الأديب غير حَذِر في هجومه وفي استعمال الكلمات البذيئة أو الجارحة فإن حياة ذلك الأديب أو الشاعر تكون في خطر دائم. وعندنا مثال يبعث على كثير من الأسى والحسرة على نهاية شاعر كبير مثل المتنبي الذي كان في غنى عن هجاء شخص من أراذل البشر، هو «ضبّة» فاعترضه في طريق عودته في «دير العاقول» وقضى عليه ومن معه: ابنه مُحسَّد وغلامه الذي حاول أن يثنيه عن الهرب بتذكيره بقوله الشهير: الخيل والليل والبيداء تعرفني…
ولكن الكتابة عن الماضي الجميل، والحنين إلى أيام السعادة، حقيقية كانت أو متخيَّلة، حتى لو كانت الكتابة في أيام الزمن الرديء، تعطي نوعا من الترويح عن النفس في الأيام الصعبة وتشكل نوعا من «التعطيل المقصود لعدم التصديق» بعبارة أكبر شعراء الرومانسية الإنكَليز جون كيتس.
- القدس العربي


























