يطرح هجوم المعارضة السورية المفاجئ على النظام السوري أسئلة كثيرة، تتعلق وبالإنجاز الميداني السريع، وبالتهاوي السريع للجيش السوري وحلفائه، وأيضا بالحركية النشطة للفعل الدبلوماسي بين قوى الإقليم.
الخلفية التاريخية تقدم صورة لتداول السيطرة على المناطق السورية، وبخاصة إدلب وحلب، بين الجيش السوري وحلفائه وبين المعارضة السورية، عبر منعطفات متعددة ما بين 2012 و2016، أي إلى أن تم حسم معركة حلب لصالح النظام السوري وحلفائه عام 2016.
تكوين المعارضة السورية، تحضر فيه أبعاد عدة: البعد الوطني، الذي يستحضر قضية الحرية والديمقراطية في مواجهة نظام مستبد لم يبق هامشا ولو محدودا للحرية. والبعد الدولي، وصراع الأجندات الدولية والإقليمية، فهناك ميليشيات تابعة إيران (حزب الله) دفعت بها إيران في سياق رهاناتها الاستراتيجية في المنطقة، في مقابل جماعات جهادية، تم تسفير مجنديها (أكثرهم من الشباب) من مختلف الدول العربية، في سياق أجندة أمريكية، أو تم إطلاق آلاف منهم من سجون العراق وغيرها وتجميعهم في سوريا، وفي هذا السياق، يمكن أن ندرج جبهة النصرة التي كانت امتدادا لتنظيم القاعدة في المنطقة، إلى أن تحول ولاؤها مع قائدها أبو محمد الجولاني إلى داعش، ثم إلى القاعدة مرة أخرى، قبل أن يعلن المسافة عن التنظيمين معا تحت مسمى جديد هو هيئة تحرير الشام. وهناك إلى جانب ذلك، جماعات أخرى، بسبب من واقع الاضطهاد الذي عاشته في المنطقة لما يزيد عن عقد من الزمن، تقاطعت مصالحها مع تركيا، ومن أهمها شباب الأحياء الذين عاشوا ظروف الاضطهاد من قبل النظام السوري بعيد إعادة سيطرته على المناطق التي حررتها المعارضة السورية بعيد الحراك السلمي، ثم جماعة الإخوان المسلمون الفرع السوري، دون أن نغفل جماعات أخرى، تنتمي إلى القوات السورية الديمقراطية ذات الخلفية الكردية التي تتنازع هي الأخرى مناطق النفوذ في عدد من مناطق سوريا، وأيضا ضباط منشقين عن الجيش السوري، شكلوا «الجيش السوري الحر.
البعض يعتقد أن الاستنزاف الذي عرفته قوات حزب الله في لبنان، واسترجاعه لجزء كبير من قواته في سوريا للبنان، وانشغال روسيا بالحرب على أوكرانيا، فسر تهاوي الجيش السوري وحلفائه في منطقة إدلب وحلب وحتى قرى شرق حماة، لكن، هذا التفسير، يغطي جانبا واحدا من الحقيقة، ولا يفسر القوة والجاهزية والاستثمار السياسي الذكي للزمن لمباشرة المعارضة السورية لهذا الهجوم الواسع. فالشكل العسكري الذي ظهرت عليه المعارضة السورية، وتطور التسلح لديها، يشي بأن قوى دولية أو إقليمية غير بعيدة عن الموضوع.
الأجندات الدولية والإقليمية في سوريا جد معقدة، فإيران، أضحت تعتبر سوريا جسرها الاستراتيجي، لبناء مربع جيوستراتيجي، ينطلق من طهران، ويمر عبر بغداد ودمشق، ويصل إلى لبنان، وهي تستغل ضعف النظام السوري، لتوسيع نفوذها في المنطقة، فتحتكر في سوريا أزيد من 800 نقطة عسكرية.
حراك الأجندات يشير إلى أن تركيا ستكون هي مركز التفاوض على مستقبل سوريا، فأجندة أمريكا، وإيران، وروسيا، وحتى النظام السوري، متوقفة اليوم على التنسيق مع أنقرة، ولأنقرة أن تختار إدارة التفاوض، حسب ما يحقق أعلى منسوب من إبعاد التهديد الكردي عن أراضيها
أجندة أمريكا وحليفتها إسرائيل، تتركز في قطع هذا الجسر، وتحويل سوريا إلى دولة مناهضة للأجندة الإيرانية، من خلال التحكم في منطقة التماس السوري مع لبنان لمنع تدفق السلاح الإيراني إلى حزب الله.
الهم الأكبر للأجندة التركية إبعاد قوات سوريا الديمقراطية (حزب الأكراد السوري الذي يعتبر امتدادا للحزب العمالي الكردستاني) عن حدودها، فإذا كانت بالأمس، تبحث عن مجرد إقامة منطقة عازلة في سوريا، فهي الآن، بفعل واقع ضعف النظام السوري وحلفائه، تبحث تشكيل قوى موالية لها على حدودها، أو على الأقل انفتاح النسق السياسي السوري، لجهة دخول قوى تعارض أسلوب النظام في توظيف الأكراد ضد مصالحها.
روسيا من حيث المبدأ، تدعم حليفها الاستراتيجي (النظام السوري) لكنها تستغل نفوذها لتبرير وجودها كفاعل مركزي مؤثر في الشرق الأوسط، وتضع في الاعتبار إمكان التفاوض بهذه الورقة، مع قوى إقليمية (تركيا) أو دولية (واشنطن والناتو) خاصة وهي تريد أن تحصن تقدمها في أوكرانيا، وتنهي الحرب من غير تنازلات تذكر.
إيران تزعم أن هجوم المعارضة السورية، الذي نسف اتفاق الأستانة، لا تفسير له سوى بأجندة أمريكية إسرائيلية، تريد استثمار وقف إطلاق النار في لبنان، والاستنزاف الذي عرفه حزب الله، لتخلق واقعا على الأرض، يقطع لبنان عن محوره الإيراني، ولذلك اتجه حراكها الدبلوماسي إلى روسيا وتركيا.
الفجائية، والجاهزية، والقوة العسكرية التي ظهرت بها المعارضة السورية، لاسيما الجماعات الجهادية، ترجح وجود دور تركي، فتركيا هي صاحبة المصلحة الأولى في تحقيق المعارضة السورية لكل هذه المكتسبات العسكرية، ليس لأنها تدعم الأجندة الأمريكية الإسرائيلية، ولكن لأنها تريد أن تمسك بورقة ضغط، تؤهلها للتفاوض مع القوى الدولية والإقليمية في المنطقة.
من المفارقات في الموضوع، أن دمشق وواشنطن، على الخلاف المفصلي في رهاناتهما، تتوحدان في دعم الأكراد الموالين لحزب العمال الكردستاني، وذلك لإضعاف الموقف التركي، بينما تتوحد واشنطن وتركيا مع الاختلاف في الهدف، في دعم بعض التنظيمات في مواجهة الميليشيات الإيرانية في المنطقة.
روسيا، تحمل رؤية براغماتية في الموضوع، فقضية دعم مشروعية الأسد ليست من الثوابت الاستراتيجية، فيمكن لها الانفتاح أكثر في شكل تعاطيها وتفاوضها مع تركيا، لكنها، على خط نقيض من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
قبل شهور دعا الرئيس طيب أردوغان الرئيس السوري بشار الأسد للحوار، لتحقيق بعض التفاهمات عقب تسوية وضعه في الجامعة العربية، لكنه رفض الدعوة، ولا شك أن تركيا اليوم، اختارت طريقا آخر للحوار، بممارسة الضغط في الميدان.
البعض يعتقد أن واشنطن وحليفتها إسرائيل تهيمن على قرار الجماعات الجهادية التي تقود المواجهات، وأن خبرتها في الاتصال بهذه التنظيمات عبر قياداتها التي تغير ولاءاتها بسرعة، تمكنها في توجيهها وفق أجندتها ضد إيران وحزب الله، لكن، مثل هذا الدور، يفتقد إلى الأرض واللوجستيك، وهما ما تملكهما إيران وتركيا على حد سواء، مما يرجح أن يكون التحرك قد تم بدعم تركي، مع تطلع أمريكي في توجيه بوصلته بعيدا عن الأهداف التركية.
رهان تركيا الأساسي، أو هكذا ما يوحي به الحراك الدبلوماسي، أن تصير مركز الاستقطاب الدبلوماسي، وأن تكون الفاعل الأساسي الذي يخطب وده في التفاوض لرسم مستقبل سوريا، وذلك في مقابل شيء واحد، هو أن تبعد خطر الحزب العمالي الكردستاني، وفي الآن ذاته أن تخلق واقعا سياسيا في سوريا مواليا لها، أو على الأقل محايدا في مناكفته للمصالح التركية.
إيران وروسيا، تجريان بشكل منفرد محادثات متعددة مع تركيا، والهجوم العسكري للمعارضة لم يتوقف، ويبدو أنه يتجه بكل قوة نحو السيطرة على منطقة حماة برمتها، بينما تدعو تركيا النظام السوري إلى الانفتاح على المعارضة السياسية وفتح النسق السياسي لاندماجها فيه.
إيران التقطت الإشارة، وبدأت تتحدث عن أخطاء النظام السوري، بما يعني استعدادها للضغط عليه لطرح ورقة الانفتاح السياسي، وربما الإقلاع عن مناكفة المصالح التركية الحيوية، لكنها أبقت على خطها الأحمر فيما يخص الجماعات الإرهابية.
التقدير أن أنقرة ستربح على المستوى الدبلوماسي كثيرا من المكاسب العسكرية التي تحققها المعارضة السورية على الأرض، لكن لا شيء يضمن إلى أين تسير بوصلة الجماعات الجهادية، وهل تنجح في الضغط بها على النظام السوري مع الإبقاء على تفاهمات مع إيران وروسيا بسقف أعلى مما حققته في اتفاق الأستانة، أم أن واشنطن، سيكون لها اليد الطولى في توجيه هذه الجماعات بعيدا عن المصالح الوطنية السورية.
كاتب وباحث مغربي
- القدس العربي


























