خوفان يسيطران على نفوس السوريين، الأول، هو خوف تاريخي من مقاربة السياسة، إذ جعل النظام البعثي الأسدي، وعبر سياسته القمعية الدموية الناس تخاف من المشاركة، في أي فعل يتعلق بالحكم والسيطرة، وما السجون التي تتكشف اليوم مآسيها إلا تلك البقعة المخيفة التي كان الجميع يعيش الرهبة من أن يقادوا إليها في ليل بهيم!
الثاني، وهو خوف البشر من المستقبل. وهو هنا في حالة السوريين مركّب بطريقة معقدة؛ فالأسد هرب، وهناك من أمسك بزمام السلطة، وثمة مشاريع شتى مطروحة ومتداولة، للمضي في المرحلة الانتقالية.
لكن هؤلاء الذين يمسكون بالدفة، وسط هذا الظرف المتلاطم، لا يستجيبون وفق الإيقاع المتعجل، الذي يحكمنا جميعاً بعد زوال الغمة الكارثية. فنحن، دون مجاملة، أصحاب حاجة، ويمكن أن يتهمنا مؤيدوهم بأننا رُعنٌ! بناء على ذلك، لكنهم لا يستطيعون الإجابة عن الأسئلة الملحة التي يطرحها الجميع، من المعارضة السياسية في الخارج والداخل، وحتى الشباب الفَتِيّ الذي نزل إلى الشوارع، ليمنح المنتصرين توكيلاً، بناء على إنجازهم التاريخي، مروراً بكل النخب، في كل المسارات والمجالات!
الخوف هنا ومع الإلحاح، يتحول إلى رعبٍ من سقوط التجربة في فخاخ منصوبة لها، تستدعي الكلام عن ثورة مضادة، ولا يخفى على أحد أن ثمة من يُوقد النار تحتها، على مستويي الداخل والإقليم، وتظهر علاماتها من حجم أنشطة الذباب الإلكتروني الذي يغرق صفحات التواصل الاجتماعي، على مدار الساعة بالأخبار الصحيحة والكاذبة، من أجل خلق التشويش المطلوب، لزعزعة ثقة السوريين بالقوى السياسية والعسكرية، الناهضة الآن.
كيف يمكن للإدارة الجديدة؟ ولنقل: كيف يستطيع أحمد الشرع قائد إدارة العمليات العسكرية، أن يدير الوقائع، على المستوى الشعبي، لتفويت الفرصة على أعداء حرية السوريين، داخل سوريا وخارجها؟
كيف يمكن للإدارة الجديدة؟ ولنقل: كيف يستطيع أحمد الشرع قائد إدارة العمليات العسكرية، أن يدير الوقائع، على المستوى الشعبي، لتفويت الفرصة على أعداء حرية السوريين، داخل سوريا وخارجها؟
هنا، لا نريد أن ننصب أنفسنا حكماء، بل نريد مقاربة الأمر من خلال تجارب الشعوب الأخرى، وتاريخ الثورات المضادة الشائن، لنطرح الأفكار، ولنتحدث عن مخاوفنا وهواجسنا، بوضوح كامل، إذا لا يمكن لنا وبعد أن مضى على سقوط نظام الإبادة الأسدي أكثر من عشرة أيام، تجاهل معرفتنا بالخطوات المطلوبة، دون الإفصاح عنها، في سياق تحتاج إليه البلاد، يقوم على التشاركية.
الخوف السوري التاريخي من الحديث بالسياسة، وطالما انتفت أدوات القمع يحتاج إلى روافع يراها الجميع، وهي هنا ذات وجهين، وجه يبدأ من سعي السوريين لإنشاء تشكيلاتهم السياسية والمجتمعية، كأطر للمشاركة في القرارات المصيرية، ووجه يتعلق بدعوة السيد الشرع السوريين (قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وتجمعات مهنية، وشرائح تكنوقراط، تتمثل فيها النساء مناصفة) إلى صناعة مستقبلهم بأنفسهم، عبر الاجتماع في المؤتمر السوري العام، ليضعوا مساراً متفقاً عليه يمشي فيه الجميع نحو الضفة الأخرى، لقد سبق له أن أطلق تصريحات تقارب هذا التوجه، لكن آن أوان الأفعال، وانقضى زمن الأقوال.
اللقاء بين الوجهين لا يُفترض أن يكون محكوماً بالبشاشة دائماً، بل يمكن أن تكون الوجوه متجهمة، إذا شعر أحد الطرفين بأن الآخر يريد أن يستولي على ما لدى الآخر. السوريون يريدون أن تتحقق أحلامهم بالدولة المدنية الديمقراطية، وأحمد الشرع يريد أن يضمن المضي بالإنجاز نحو حالة الاستقرار، والبدء ببناء الدولة الجديدة.
عشرة أيام لا تكفي لقراءة الهواجس بإفصاح كامل، لأن الوقت يمضي بالتبريكات والاحتفالات، وباللقاءات الدبلوماسية، في حين يجري الاستعداد عند كثيرين للمعركة السياسية القادمة، ويستعد آخرون على مستوى الإقليم للعبث بالوضع السوري، فيما تضع القوى الدولية الفاعلة الثائرين تحت الاختبار، قبل أن يبادروا تجاهها بالخطوات التي تساعدها!
هذه الأيام المنقضية، مرت وسيمر غيرها، ولن تعلق في الذاكرة إلا حين تتحول النوابض فيها، نحو الإنجازات، ولعل أهم ما يجب تحقيقه الآن، هو أن يشعر السوريون بقدرتهم على التغيير عبر التشاركية، والثقة المتبادلة، وهذا لن يتحقق إلا إذا فتح الجميع الأبواب والنوافذ، لتمر الأفكار والهواجس بيسر بين أصحاب البيت الواحد.
- تلفزيون سوريا



























