بعد انعقاد مجلس الشعب السوري، لم يعد بالإمكان التذرع بغياب السلطة التشريعية لتأجيل إصدار قانون للأحزاب، وهو القانون الذي يُنظر إليه بوصفه البوابة الأساسية لعودة الحياة السياسية المنظمة بعد أكثر من ستة عقود من هيمنة الحزب الواحد.
وفي حين تزداد المطالب بالإسراع في إقرار القانون باعتباره استحقاقاً دستورياً وسياسياً، ثمة أصوات تحذر من أن هشاشة الوضع الأمني والسياسي قد تجعل فتح المجال الحزبي خطوة محفوفة بالمخاطر، والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت سوريا تحتاج إلى قانون للأحزاب، بل كيف ومتى ينبغي أن يصدر؟
لقد نص الإعلان الدستوري المؤقت بوضوح على كفالة حرية تشكيل الأحزاب، لكنه ربط ممارستها بصدور قانون ينظم شروط الترخيص وآليات العمل والرقابة، وهو ما جعل الحياة الحزبية مؤجلة عملياً إلى حين إقرار التشريع المنتظر.
ومع تشكيل مجلس الشعب وبدء أعماله، انتقل هذا الملف من دائرة الوعود إلى دائرة المسؤولية التشريعية، وأصبح البرلمان مطالباً بإثبات قدرته على إطلاق مسار إصلاح سياسي حقيقي، لا يقتصر على إدارة المرحلة الانتقالية، بل يؤسس لدولة المؤسسات والقانون.
لا يمكن تجاهل المخاوف التي تدفع بعض الأطراف إلى التريث، فسوريا ما تزال تعيش مرحلة انتقالية معقدة، تعاني من تحديات أمنية واقتصادية، إضافة إلى استمرار الانقسامات الجغرافية ووجود مناطق خارج سيطرة الحكومة..
وتبدو الحجج المؤيدة للإسراع في إصدار القانون قوية، فغياب الأحزاب لا يعني غياب السياسة، بل يعني انتقال الخلافات السياسية إلى الشارع أو إلى تجمعات غير منظمة، وهو ما قد يغذي الانقسامات المناطقية أو الطائفية أو العرقية.
والأحزاب تمثل أيضاً الإطار الطبيعي لتنظيم الرأي العام، وإعداد البرامج، وتأهيل القيادات، وخوض الانتخابات بصورة مؤسساتية، بدلاً من الاعتماد على الشخصيات أو الولاءات المؤقتة.
ويرى كثير من الباحثين أن استمرار الفراغ السياسي قد تكون كلفته أعلى من كلفة تنظيم الحياة الحزبية، لأن المجتمعات التي تُحرم من أدوات العمل السياسي المنظم غالباً ما تشهد تصاعد الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاوف التي تدفع بعض الأطراف إلى التريث، فسوريا ما تزال تعيش مرحلة انتقالية معقدة، تعاني من تحديات أمنية واقتصادية، إضافة إلى استمرار الانقسامات الجغرافية ووجود مناطق خارج سيطرة الحكومة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن التعددية الحزبية في بيئة غير مستقرة، قد تتحول إلى ساحة لاستقطابات حادة، وربما لإعادة إنتاج الانقسامات التي عاشتها البلاد خلال سنوات الصراع. ولذلك يدعون إلى استكمال بناء المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية قبل الانتقال الكامل إلى المنافسة الحزبية.
غير أن هذه المخاوف، على مشروعيتها، لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح السياسي إلى أجل غير معلوم، كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ سوريا، فالتجارب أثبتت أن احتكار الحياة السياسية لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الأزمات ويمنع نشوء قوى سياسية قادرة على تمثيل المجتمع ومحاسبة السلطة.
كما أن الإعلان الدستوري وضع ضوابط واضحة تمنع قيام الأحزاب على أسس دينية أو عرقية أو مناطقية، وهو ما يوفر أساساً قانونياً للحد من مخاطر الانقسام إذا ما صيغ القانون بصورة متوازنة وعصرية.
الأهم برأي غالبية كبيرة من السوريين ضرورة أن تتضمن المبادئ الناظمة للعمل الحزبي والسياسي مبدأ تجريم “الأسدية” بكل أشكالها، بغية قطع الطريق على “فلول” النظام السابق للعودة الى الشأن العام من بوابات الديمقراطية بعد أن طردوا بقوة الشعب..
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التعجل غير المدروس، ولا التأجيل المفتوح، وإنما إصدار قانون حديث للأحزاب يحقق معادلة دقيقة بين الحرية والمسؤولية. قانون يضمن سهولة الترخيص، والشفافية في التمويل، وتكافؤ الفرص بين القوى السياسية، ويحظر في الوقت نفسه خطاب الكراهية والتحريض، ويشجع قيام أحزاب وطنية قائمة على البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا على الانتماءات الضيقة.
والأهم برأي غالبية كبيرة من السوريين ضرورة أن تتضمن المبادئ الناظمة للعمل الحزبي والسياسي مبدأ تجريم “الأسدية” بكل أشكالها، بغية قطع الطريق على “فلول” النظام السابق للعودة الى الشأن العام من بوابات الديمقراطية بعد أن طردوا بقوة الشعب.
وعلى أية حال، ينبغي أن يترافق ذلك مع حوار وطني واسع وخارطة طريق واضحة للإصلاح السياسي، حتى يثق السوريون بأن الانتقال نحو التعددية ليس مجرد شعار، بل مسار جاد يمكن قياسه بمواعيد والتزامات محددة.
ولا شك أن انعقاد مجلس الشعب أزال إحدى الذرائع الرئيسية التي كانت تُستخدم لتبرير تأجيل قانون الأحزاب. واليوم، يقف المجلس أمام اختبار حقيقي لقدرته على إطلاق الحياة السياسية التي حُرم منها السوريون لعقود طويلة.
فالتحدي ليس في وجود أحزاب من عدمه، وإنما في بناء نظام حزبي وطني يحول الاختلاف إلى منافسة ديمقراطية داخل المؤسسات، بدل أن يبقى مصدراً للتوتر خارجها، وإذا كانت المرحلة الانتقالية تتطلب الحذر، فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى الشجاعة في اتخاذ القرارات التي تؤسس لسوريا جديدة، يكون فيها القانون، لا الاحتكار، هو المنظم للحياة السياسية.
- تلفزيون سوريا

























