أبصر البرلمان السوري النور أخيراً بعد عام ونصف من غياب الركن الثالث والأساسي من أركان الدولة، وسط تباين كبير في آراء السوريين حول آلية تشكيله والمسار الذي تم اتباعه، وهي آراء تبدو في معظمها منطقية من وجهة نظر مؤيديها ومنتقديها، تبعاً لتعقيدات هذه المرحلة الانتقالية وظروفها غير الطبيعية.
لكن، وبعيداً عن الجدل حول طريقة التشكيل والمسار الذي تم به، فإن افتتاح البرلمان السوري لأولى جلساته قد جعله اليوم واقعاً قائماً كسلطة تشريعية إلى جانب السلطتين التنفيذية والقضائية، لكنه واقع محاط بجبل من المسؤوليات والاستحقاقات التي ينتظرها الشعب السوري بفارغ الصبر، خصوصاً وأن البلاد تمر بمرحلة انتقالية مليئة بالتحديات والمخاطر والمظالم التي لا تترك أي مجال للخطأ أو التجريب.
ولعل الأدوار التقليدية لهذا البرلمان، كإعادة دراسة القوانين القديمة وإقرار الموازنة العامة والتصديق على المعاهدات والاتفاقيات، تعد بسيطة وروتينية مقارنة بالدور الحقيقي المنوط به. إن المهمة الأكبر تتجلى في العمل الدؤوب لإعادة بناء وتطوير وإصلاح مؤسسات الدولة إصلاحاً جذرياً بحيث يسهم بشكل حقيقي في ترميم جسور الثقة التي كانت مفقودة بين المواطن السوري ومؤسساته.
هذا الإصلاح من شأنه أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد ومواطنة حقيقية بالدفع نحو سن قوانين حازمة تحارب خطاب العنف والكراهية، وتجرم الطائفية وكل السلوكيات والخطابات التي قد تدفع بالبلاد نحو وحل تكريس الانقسامات وبقاء بؤر الصراع مشتعلة.
لكن الدور الأهم والأبرز للبرلمان الجديد، والذي سيشكل محطة فارقة في تاريخ استقرار سوريا، هو إبراز دوره الفاعل في ملف العدالة الانتقالية. فالتركيز على هذا الملف ينبع من كونه صمام الأمان للحفاظ على السلم المجتمعي، وهو الخط الفاصل بين العبور بالبلاد إلى بر الأمان أو الغرق في صراعات محلية لا تنتهي.
وهنا يظهر التأثير الحقيقي للبرلمان في صياغة التشريعات اللازمة لتعزيز الاستقرار ونقل البلاد إلى ضفة الأمان، وذلك عبر المشاركة الفاعلة في إقرار قوانين العدالة الانتقالية وتثبيتها في الدستور الجديد، لضمان الالتزام بها كنهج وطني ثابت مهما تعاقبت الحكومات وتغيرت الظروف السياسية.
ولكي لا تخرج هذه التشريعات من برج عاجي بعيد عن الواقع، يصبح من الواجب على البرلمان أن يفتح أبوابه وقاعاته للاستماع المباشر إلى أصوات أهالي الضحايا، لآبائهم وأمهاتهم ومصابيهم وزوجاتهم اللواتي حملن عبء المأساة. وكذلك التعاون الوثيق مع منظمات المجتمع المدني التي واكبت ثورة السوريين ووثقت المجازر طوال سنوات المقتلة، فهذا التواصل هو الضمانة الحقيقية لولادة قوانين ينبع نبضها من نبض الشارع السوري.
ويمتد هذا الدور بشكل ملحّ أيضاً ليشمل ابتكار حلول قانونية وقضائية تسرع من كشف مصير المفقودين كخطوة أولى لطي جراح من يتنظرون خبراً عن مفقوديهم، وصياغة إطار شامل لجبر الضرر، بحيث لا يقتصر على التعويضات المعنوية والاعتذار الرمزي فحسب، بل يتعداه إلى جبر ضرر اقتصادي ومادي ملموس يضمن رعاية عائلات الضحايا، وإعادة الإعمار، وتأهيل البنى التحتية في المناطق التي تعرضت للتدمير الممنهج، فضلاً عن استرداد الحقوق العقارية والأملاك المغتصبة، ما يسهم بشكل مباشر في إطفاء نار الثأر وتخفيف الاحتقان وتبريد الأوجاع.
إن دور البرلمان هنا لا يقتصر على كتابة القوانين فحسب، بل يتعداه إلى تحويل العدالة الانتقالية من مجرد نصوص جامدة إلى ثقافة مجتمعية تطمئن الخائفين، وتعوض المتضررين، وتحاسب المجرمين، وتضمن عدم تكرار مآسي الماضي.
وبالتأكيد، نحن لا نطالب البرلمان هنا باختراع العجلة من جديد، إذ من الضروري جداً دراسة وفهم تجارب البرلمانات في الدول التي مرت بصراعات مشابهة وعاشت مراحل انتقالية، للاستفادة من خبراتها في إعداد القوانين والتشريعات الداعمة للعدالة.
ولكن هذه الاستفادة يجب أن تراعي الخصوصية السورية وحجم المأساة وتعقيداتها، بعيداً عن استيراد تلك التجارب كقوالب جاهزة ومعلبة ربما في كثير منها تشبه واقعنا، ولكن لا يمكن تطبيقها حرفياً على تجربتنا ومجتمعاتنا.
إن طريق أول برلمان سوري بعد سقوط عهد الاستبداد لن يكون مفروشاً بالورود، بل ستكون هذه السلطة التشريعية هي الأكثر خضوعاً لرقابة السوريين ومجهرهم. حيث سيتابع المواطنون كل تفصيل في عملها، ولن يتسامحوا مع أي تقصير أو فشل في نقل قضاياهم المحقة وآلاف من ملفاتهم العالقة من إرث سنوات المأساة الطويلة إلى تحت قبة البرلمان.
ولعل الاختبار الأكبر لنجاح هذه المؤسسة سيبرز في مدى قدرتها على وضع الركائز المتينة لمبدأ فصل السلطات، والتحضير الجاد لمستقبل قريب تكون فيه قاعة البرلمان منصة مستقلة يُناط بها أعمال الرقابة الصارمة والمساءلة الحكومية، ليخرج البرلمان من كونه فقط محصوراً ضمن عمله كمؤسسة تشريعية إلى نطاق أوسع يمارس فيه دوراً حقيقياً في صناعة الاستقرار.
- الثورة السورية






















