لاحظ الجابري، أن الفكر السياسي الإسلامي الحديث يتمحور حول مسألة الخلافة، وبالتالي كان دائماً كلاماً في سياسة الماضي(الخلافة).. فهو يلجأ إلى الماضي السياسي يؤّوله بالكيفية التي تجعل الحاضر شبيهاً له ونظيراً، حتى يأتي قياسه عليه. لذا تعرض بالنقد لأبحاث الإسلاميين في الدولة، إذ رأى أن السلفيين توصلوا إلى نتيجة مفادها، أن الإسلام دين ودولة، والحكومة الإسلامية هي التي يكون قانونها شرع الإسلام. فاعتبر أن هذه هي النتيجة الهزيلة التي خرجت بها السلفية المعاصرة بمختلف ألوانها، التي قرأت التاريخ في الشرع، وقرأت الشرع في التاريخ. غير أن الجابري يتنبأ للسلفي أن يستيقظ يوماً ما ليعرف هزال تلك النتيجة التي توصل إليها، فيقتنع بالحقيقة التاريخية (المرّة ) التي تدل على أن الحاضر ليس وحده الذي ابتعدت الدولة فيه عن الإسلام، بل إنها كانت كذلك في الماضي. كما استهدف بالنقد المثقف الحداثي لاتخاذه نموذج الدولة الأوروبية الحديثة مرجعه الوحيد في بناء دولته.
لذا يطرح الجابري منهجاً توفيقياً للخروج من هذين الخيارين، وذلك بالانتظام في التراث والدخول في حوار نقدي مع الحداثة الغربية. فينطلق من إعادة تأصيل الأصول التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية: (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر)، (أنتم أدرى بشؤون دنياكم )، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وإن إعادة تأصيل هذه الأصول تتطلب كخطوة أولى إقرار المبادئ الدستورية التي تضع حداً للفراغ السياسي الدستوري الذي برز واضحاً في أواخر عهد عثمان، وتجسد في الثغرات الثلاث: (عدم تحديد طريقة مضبوطة لاختيار الخليفة، عدم تحديد مدة ولايته، عدم تحديد اختصاصاته). بعدها ينتقل إلى الضفة الأخرى ، ليستفيد من التجربة السياسية المعاصرة، فيرى أنه من الواجب اختيار الانتخاب الديمقراطي الحر طريقة لممارسة الشورى، وتحديد مدة ولاية (رئيس الدولة) في حال النظام الجمهوري، مع إسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومة مسؤولة أمام البرلمان.. وإن تحديد اختصاصات كل من رئيس الدولة والحكومة ومجلس الأمة بصورة تجعل هذا الأخير هو وحده مصدر السلطات، تلك ثلاثة مبادئ لا يمكن ممارسة (الشورى) في العصر الحاضر بدون إقرارها والعمل على ضوئها".
غير أن هذا التوجه لا يكفي، بنظر الجابري، لإحداث التجديد، فلا بد أن يرافق ذلك تجديد محددات العقل السياسي العربي التي تؤسس (اللاشعورالسياسي العربي)، فهو لا يعتقد أن إقرار نظام دستوري ديمقراطي حديث كافٍ لوحده لغرس الحداثة السياسية وترسيخها، فالعقل السياسي العربي لا يتحكم فيه شكل نظام الحكم الدستوري وحسب، بل هو محكوم بمحددات اجتماعية واقتصادية وثقافية ثلاثة: (القبيلة، والغنيمة، والعقيدة)، حكمت – برأيه – العقل السياسي العربي في الماضي وما زالت تحكمه بصورة أو بأخرى في الحاضر، وبالتالي لا يمكن أن يتحقق النفي التاريخي لهذه المحددات إلاَّ بإحلال البدائل التاريخية المعاصرة.
ويرى الجابري أن هذه المحددات زادت وطأتها على العقل السياسي في الحاضر إثر الهزائم المتتالية التي أصابت العرب، فبعد أن كان الطموح النهضوي العربي يرمي إلى تجاوز تلك المحددات الموروثة، وإقرار محددات جديدة عصرية، إذ بالنكسات والإحباطات التي ترافقت مع تلك الهزائم تفتح الباب على مصراعيه لعودة ما يسميه الجابري (المكبوت)، أي ظهور وطغيان مفعول المحددات الثلاثة الموروثة. فعادت العشائرية والطائفية والتطرف الديني لتجعل : القبيلة محركاً للسياسة، والريع جوهر الاقتصاد، والعقيدة تبريرية أو خارجية نسبة إلى الخوارج. لهذا يصبح المطلوب لدى الجابري – والحالة هذه:
"أ – تحويل القبيلة في مجتمعنا إلى لاقبيلة: إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي: أحزاب، نقابات، جمعيات حرة، مؤسسات دستورية.. وبعبارة أخرى، بناء مجتمع فيه تمايز واضح بين المجتمع السياسي(الدولة وأجهزتها) والمجتمع المدني (التنظيمات الاجتماعية المستقلة عن أجهزة الدولة)….
ب – تحويل (الغنيمة) إلى اقتصاد (ضريبة)، وبعبارة أخرى، تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد انتاجي..
ج – تحويل (العقيدة) إلى مجرد رأي: فبدلاً من التفكير المذهبي الطائفي المتعصب الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، يجب فسح المجال لحرية التفكير، لحرية المغايرة والاختلاف.
ولقد انتهى بتوفيقيته إلى استبعاد شعار "العلمانية" من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديموقراطية والعقلانية اللذين يعبّران، كما يقول، تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي، زاعما أن شعار العلمانية، إنما تبناه مفكرون مسيحيون من الشام في ارتباط عضوي مع شعار"الاستقلال عن الترك"، وقيام دولة عربية في المشرق غير خاضعة للسلطة العثمانية، في وقت يرى البعض أن شعاري الديموقراطية والعقلانية التي يطرحهما الجابري، ربما يحتاجان لدعم من العلمانية، لا بمعنى علمنة الوعي الاجتماعي، بل أن يقتصر دورها على تحييد السياسي عن الديني، طالما أن الديمقراطية تستند على مفهوم (المواطنة) الذي يتعامل مع المواطنين خارج دائرة انتمائهم المذهبي والطوائفي، وبالتالي فإن مفهوم المساواة المدنية والحرية الكاملة ومركزية الإنسان في الوجود السياسي والاجتماعي ومفهوم المواطنة ذاته لا يتعارض بأي حال مع مفهوم منفتح للعلمانية.
"المستقبل"




















