يهدف هذا الكتاب إلى مناقشة مسألة الاستبداد، في الأحزاب الماركسية على وجه التحديد، والتكوين الذي صيغت فيه، والذي جعلها جزءاً من البنى التقليدية الموروثة من التاريخ العربي، تلك البنى القائمة على أساس الواقع البطريركي القائم في المجتمعات العربية، ومن هذا المنطلق، جاء التركيز على غياب الديموقراطية كوعي وكممارسة وكتكوين، في هذا السياق.
ورغم أن الهدف من هذا المبحث، هو نقد الأحزاب الشيوعية، إلا أن الكاتب سلامة كيلة تناول ذلك انطلاقاً من البحث في الشروط الاقتصادية الاجتماعية، وشروط التطوّر التاريخي، الذي أنجب ظاهرة ستالين الذي تعاد إليه واقعة الاستبداد عند الأحزاب الماركسية العربية عادة، تلك الظاهرة التي جاءت نتاج وعي تقليدي موروث من القرون الوسطى، لذلك لم يكن صعباً للماركسية العربية أن تتراكب هي أيضاً مع وعي تقليدي محلي بطريركي، عميق الجذور.
يشكّل كتاب "نشأة الديموقراطية بأجزائه الثلاثة" تتمة لكتاب "نزع سحر العالم" الذي سلّط الضوء على سلطة الدين التنظيمية في تاريخ المجتمعات الإنسانية، من جهة، وفي الاتجاه الآخر، إظهار الطريقة المبتكرة التي اعتمدها الغرب، للخروج من الدين، من جهة أخرى. وما تطمح إليه أجزاء "نشأة الديموقراطية"، هو دراسة حدة الحركة، وتطوراتها الأخيرة، عندما أخذت طابع تكريس قدرة الإنسان على حكم نفسه بنفسه.
قد يبدو للقارئ، أن الإلهام هو نفسه الذي يجمع توجّه الكتابين المذكورين، ولكن المنهج يختلف، فإذا كان هدف كتاب "نزع سحر العالم" هو طرح نموذج عام للعلاقة القائمة بين الدين والسياسة وتغيراتهما، فإن هدف "نشأة الديموقراطية" هو إعطاء تحليل معمق لتاريخ القرن العشرين، والتقلّبات التي شهدتها الظاهرة الديموقراطية في هذا القرن. فالأطروحة التي تسعى "نشأة الديموقراطية" لمناقشتها وعرضها، هي أن بنى المجتمع المستقل ذاتياً، تتّضح فقط من خلال تعارضها مع التركيب البنيوي الديني القديم. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن ما يسمح بقياس ظاهرة الديموقراطية في أبعادها كافة، هو فقط اعتماد إعادة صياغة عامة لمفاصل الحقل العام، التي من خلالها ننتهي من الخضوع وطاعة الآلهة.
على هذا المنوال يشكّل الجزء الأول من "نشأة الديموقراطية – الثورة الحديثة" مدخلاً، يرسم الخطوط الخلفية، عبر إعادة رسم مختصرة للثورة الوحيدة التي جرت بين عامي 1500 و1900، من خلال ثورات الحداثة المتعددة – ثورة القرن السادس عشر الدينية، والثورة العلمية، وثورات بريطانيا وفرنسا السياسية، والثورة الصناعية، أي ثورة السيادة.
ما يسعى إليه هذا الجزء، إظهار المكوّنات التي يتسم بها العالم الخائب أمله، والتي تنبثق من سياق هذه المسيرة، في النظام السياسي، والقانوني، والتاريخي.
إن تحديد هذه البنى وهذه المحاور العملية التي تسمح بأن تعمل الجماعات الإنسانية بشكل سيادي، هي مفتاح ما يميّز ديموقراطية المحدثين كنظام مختلط.
إن الكون الجديد، الذي انتشر تحت تأثير الدفع الثلاثي: التوجّه نحو المستقبل، وشكل الدولة – الأمة، والإنسان الحق، فجّر الإطار الموروث عن المكون المقدس، الذي دعم بنيان الحريات المكتسبة حديثاً، اهتزت الأرض في الوقت الذي اختلت فيه الآلية الداخلية، وهكذا استقرت الديموقراطية الليبرالية تحت شعار ريبة أساسية حول آليتها وتعريفها، وكانت قضية القرن العشرين الرئيسة، محاولة الرد على ذلك.
نجد هنا الاتجاهات الثلاثة التي يتشكل من خلالها وجود مجتمع تحل فيه إرادة الإنسان، المصدقة والظاهرة على الصعيد الفردي، مكان الخضوع للآلهة، متجسد في ترتيب شامل سبق الإرادة الفردية، أياً كانت ومهما كانت، وسيطر عليها، وذلك لأن ديموقراطية المحدثين تكمن بالضبط في هذا الاقتناع المنهجي من قبضة التابو. إنها وليدة الخروج من الدين. إن عملية توليدها تنبع منه. ما يميّزها في جوهرها، وفي تعبيرها بالنسبة لسابقتها القديمة، هو هذا المنبع الذي يشكّل مصدرها. يسكنها مشروع ميتافيزيقي. إنها تتطابق مع إعادة تعريف المؤسسة للإنسانية الاجتماعية، في مجمل مظاهرها حسب الطاعة المطلقة للذات. إن أصل المشكلة البنيوية لصيغتها، هو هذا الانقلاب المنهجي لاقتصاد التبعية. والسبب هو أن ترابط الاتجاهات الثلاثة الذي يمر عبرها ليس تلقائياً البتة. لقد ظهرت بشكل متتال كموجات، منذ القرن السادس عشر، وهي تميل إلى أن تعمل بشكل منفصل؛ كل منها يتطلع إلى أن يكون حامل تعريف الشرط الجماعي بشكل وافٍ وكافٍ. زد على ذلك أن الموروث الذي فرض عليها في نهاية المطاف، هو بطبيعته مزعزع، ويحمل الكثير من الصعوبات، يخيم تارة عليه الوئام والانسجام، وتارة أخرى التوتّر والضغط. وتارة يغلب التضامن بين عناصره، وتارة الاستقلالية النسبية.
نحن بالتحديد في فترة من هذه الأوقات، حيث يشتد الخلاف، والسبب هو عدم المساواة في دعم الأبعاد الثلاثة. حصلت انطلاقة جديدة للعملية التي ولدت في خلال الثلث الأخير من القرن العشرين. مرحلة من المجدي أن تعتبر نهائية، من بعض الزوايا، كونها قضت على آخر رواسب الخضوع للتابو. ما نتج عن ذلك، هو انتشار غير مسبوق، لكل من محاور عملية الحكم الذاتي الفعلية. اتخذنا بعمق ثلاثي الأبعاد، البعد التاريخي، والبعد السياسي، والبعد القانوني، قلب التوازن الذي كان قائماً نوعاً بين تعابيرها السابقة.
إن هذه الخطوة الإضافية، من خارج التبعية الدينية، هي التي حدّدت الانضمام الكوني إلى الحرية والديموقراطية. لقد سحبت من فريق الخضوع الدعم الأخير، الذي كان بإمكانه الاحتفاظ به في الحياة الاجتماعية، من ناحية الارتباط بالتقاليد، أو واجبات الانتماء، لكنها لم تحرم مسألة التاريخ من أن تنجز على الضفة الأخرى. كانت تتدعم بطريقة سرية، في الواقع، على قوام كانت تستمد معقوليتها من صورة اتحاد الجماعة مع نفسها، نابعة من عصر كان الأعداء متواطئين، في الواقع. زد على ذلك أن الاعتراض والثورة تبددا معاً. من هنا جاء تكريس السيادة الكاملة، الذي أردى كل احتمال لاستعدادات، وحق تصرف الأفراد والجماعات بحرية، إلى خانة اللامعقول. ومن هنا انبثق نصر الأصولية الديموقراطية الذي لا نزاع حوله. فهو يمثّل نهاية مطاف مشوار طويل. نجد وراء خمسة قرون من بناء عالم يسير بعكس تيار ما كان دائماً القاعدة البنائية للمجتمعات الإنسانية: الخضوع لما هو أعلى منها. ها نحن هذه المرة جدّياً أمام أنفسنا، محررون من كل بقايا هذا الماضي الفاقد لكل أشكاله. إلا أن هذا المبدأ المبجّل، لم يعطنا أدوات تشغيله وتنفيذه، بل على العكس سلبها منا.
[ الكتاب: نشأة الديمقراطية (ج1) الثورة الحديثة
[ الكاتب: مارسيل غوشيه
[ المترجم: جهيدة لاوند
[ الناشر: دراسات عراقية
"المستقبل"




















