-
-
لطالما كان العنف أحد المكونات الجوهرية في تشكيل الدول، حيث يرى عالم الاجتماع تشارلز تيلي أن «الدول تصنع الحرب، والحرب تصنع الدول». لكن في السياقات التي تعقب النزاعات، كما هو الحال في سوريا، لا يكون العنف مجرد أداة لضبط الأمن، بل يتحول إلى آلية مركزية لإعادة توزيع السلطة والثروة بين القوى المتنافسة. فسقوط نظام بشار الأسد لم يؤدِ إلى ظهور سلطة مركزية جديدة قادرة على فرض سيطرتها بشكل كامل، بل أفرز مشهداً متشظّياً تتنافس فيه عدة فصائل مُسلّحة مع الحكومة الجديدة على النفوذ. وهكذا، بدلاً من أن يكون العنف مرحلةً انتقاليةً نحو الاستقرار، قد يتحول إلى أداة دائمة لإعادة صياغة موازين القوّة في البلاد.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار أن استخدام العنف من قبل الإدارة السورية الجديدة يأتي بمعزل عن الديناميات السياسية والاقتصادية التي تحكم هذه المرحلة. وكما يشير الاقتصادي البريطاني بول كولير في تحليله لاقتصاديات النزاع، فإن الدول الخارجة من الحروب غالباً ما تعاني من هشاشة مؤسساتية تجعلها عرضةً للعودة للصراع، مما يدفع الفاعلين السياسيين إلى تبني سياسات قسرية للحفاظ على مواقعهم. وفي سوريا، تواجه الحكومة الجديدة معضلة مركبة: فهي من جهة بحاجة إلى فرض سلطتها وبناء شرعيتها في ظل تحفظ بضع قوى في جنوب سوريا وشرقها على الاعتراف بها، بوصفها كانت إلى أمدٍ قريب أحد أطراف الصراع السوري، وليس لديها أي غطاء قانوني لوصولها للسلطة أو إجماع وطني حتى الآن. ومن جهة أخرى، تجد نفسها محاصرة بين تراجع اقتصادي حاد وبقايا نظام سابق مع فلول الميليشيات المتحالفة معه يسعون لنشر الفوضى لاستعادة النفوذ. وهكذا، فإن العنف الذي تستخدمه الحكومة ليس مجرد وسيلة لاستعادة الأمن، بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة توزيع السلطة في المشهد السوري الجديد.
ومن وجهة نظر الاقتصاد السياسي للعنف؛ فإن استخدام الدولة للقوة ليس مسألة عابرة، بل يُمثل آلية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ بعد انهيار نظام طويل الأمد. فعند سقوط نظام مثل النظام السوري، كان طرفاً في صراع متعدد اللاعبين على المستوى الحوكمي والعسكري، ينشأ فراغ سلطوي يدفع باقي الأطراف للحفاظ على مواقعها أو حتى توسيع أدوارها في تقاسم السلطة عبر استخدام العنف أو التلويح به. ولعل أبرز تلك الأطراف على الساحة السورية اليوم، هم شبكات ضباط الجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى المليشيات الرديفة لها، والتي لا تزال تتمترس طائفياً في حيّز جغرافي معين، وترفض تسليم السلاح أو إجراء تسوية مع الحكومة الجديدة. وهي بذلك تسعى إلى الضغط عبر العنف على الحكومة الجديدة لتحصيل عفو عام يشمل حتى كبار المجرمين، الأمر الذي يُمثل مقدمة للعودة إلى المشهد السياسي في إطار توزيع السلطة بعد سقوط النظام.
وهنا لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي المتعلق بإعادة توزيع الثروة أيضاً، فتلك البقايا كانت خلال السنوات الماضية تعتاش على اقتصاد الحرب، ولا سيما تجارة المخدرات، وهي بالتالي تحاول خلق هوامش لاستعادة أو الحفاظ على ما يمكن من هذا الاقتصاد، وبهذا تشترك معها العشائر اللبنانية الموالية لحزب الله على الحدود السورية، والتي اشتبكت مع قوات الإدارة السورية الجديدة مطلع شباط (فبراير) للدفاع عن مكاسبها في تجارة السلاح والمخدرات، ومراكز تلك التجارة التي أسستها منذ سنوات في القرى السورية على الشريط الحدودي.
وبالرغم من أن استخدام العنف من قبل الإدارة الجديدة ضد تلك الفئات، وأشباهها على كامل الجغرافيا السورية، يبدو مُبررّاً، ويحظى بقبول شعبي واسع؛ إلا أن الانتهاكات التي ترافق الحملات الأمنية التي تشنها الإدارة من قتل خارج نطاق القانون، وتجاوزات في استخدام القوة، وانتهاكات لحقوق الإنسان، يجعل من الصعب تبرير هذه العمليات أمام الرأي العام المحلي. فبدلاً من تعزيز شرعيتها، تخلق هذه الانتهاكات فجوةً متزايدةً بين الحكومة والمجتمع، حيث يشعر كثيرون أن هذه الحملات لا تستهدف استعادة الأمن بقدر ما تُستخدم كأداة انتقامية ولتصفية الخصوم وترهيب الأصوات المعارضة. وهو الأمر الذي قد يُساهم بفقدان تلك العمليات غطاءها الشرعي، ويفتح الباب أمام مزيد من التمرد والمقاومة المسلحة، ويُدخل البلاد في حلقة مفرغة من العنف المتبادل.
وبعيداً عن العنف والعنف المضاد مع بقايا هياكل النظام الأمنية، هناك تلويح بالعنف كوسيلة لتدعيم الموقف التفاوضي بين الحكومة وأطراف عسكرية وحوكمية أخرى في المشهد السوري. فبالرغم من أن الحكومة السورية الجديدة تحاول تقديم نفسها كسلطة شرعية مسؤولة عن إعادة بناء الدولة، إلا أنها تُعامل من قبل أطراف عسكرية أخرى وازنة في الخارطة السورية، كفصيل عسكري يسعى إلى فرض نفوذه. وبالتالي، فإن استخدامها للعنف لا يُنظر إليه فقط كأداة لتحقيق الاستقرار، بل أيضاً كوسيلة لإعادة توزيع السلطة لصالحها، في ظل عدم وجود إجماع وطني حول شرعيتها. هذه الإشكالية تعقّد قدرتها على احتكار العنف المشروع، إذ تظل قوى أخرى تنظر إليها كطرف يسعى إلى تعزيز مكاسبه على حساب الآخرين، مما يُطيل أمد النزاع ويجعل إمكانية فرض الأمن الشامل أكثر تعقيداً.
كما أن وجود مثل هذه الأطراف يُضيف بعداً جديداً للصراع، إذ لا تكون الحكومة السورية الجديدة اللاعب الوحيد في ميدان العنف، بل تصبح جزءاً من صراع متعدد الأبعاد يتضمّن لاعبين آخرين. فالفوضى الأمنية التي نجمت عن تفكّك النظام خلقت بيئةً تجعل بعض الفصائل تسعى لاستغلال الفراغ في السلطة؛ إذ يقوم بعض هؤلاء اللاعبين بالاحتفاظ بأسلحتهم وعدم القبول بحل أنفسهم للاندماج في الجيش السوري الجديد بالصيغة التي تريدها وزارة الدفاع، ما يُمكّنهم من البقاء على حالة استعداد دائم لاستعمال العنف أو التهديد به عند ظهور فرصة لتوسيع نفوذهم. ولدى هؤلاء اللاعبين غالباً بُعد عرقي وطائفي واضح، كما هو الحال مع بقايا الهياكل الأمنية للنظام في الساحل السوري، فصائل السويداء، وقوات سوريا الديمقراطية، ما يزيد من احتمالية تحول أي مواجهة معها إلى صراع قائم على الهوية، حيث يُستخدم العنف كأداة خطابية تُعزّز من الانقسامات داخل المجتمع.
ومن جهة أخرى، يشهد الاقتصاد السوري حالة تردٍّ حاد، تتجسد في خزينة دولة شبه فارغة، مما يسبب تأخّر تسليم الرواتب، ووعود بزيادةٍ فيها لم تتحقق، وقراراتٍ متعجّلة لتغيير الرسوم الجمركية وتحرير الأسعار، وتسريح موظفين، إضافة إلى تراجع الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى تعميق حالة الفقر وزيادة معدلات البطالة. هذا التدهور الاقتصادي لا يجب أن يُنظر إليه على أنه إرث للنظام السابق فقط، أو أخطاء إدارية حالية، بل كعامل رئيسي يُسهم في تأجيج النزاعات على المدى البعيد، إذ سرعان ما تتحول المظالم الاقتصادية إلى مطالب سياسية، قد تتخذ من العنف وسيلة للتعبير عنها. ففي ظل غياب الأمل في حصول المواطنين على حقوقهم الأساسية، يستغل اللاعبون السياسيون والاقتصاديون الحالة لإعادة توزيع الثروة بشكل غير عادل، ما يُفضي إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية وتوتر العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة، وخصوصاً إذا ما تم تنفيذ التوجه الحكومي المُعلن بتقليص دور الدولة وخصخصة القطاع العام بشكل سريع وغير مدروس.
إن الربط بين الفوضى الأمنية والتردي الاقتصادي يتجلى في كيفية تغذية كل منهما للآخر. ففي حين أن الفوضى الأمنية الناتجة عن تفكك النظام تسمح لبعض الفصائل المسلحة باستغلال الفراغ السلطوي لتوسيع نفوذها أو استعادة مواقعها أو الحفاظ عليها، يُسهم هذا الاضطراب في ضعف أداء الدولة على الصعيد الاقتصادي، مما يؤدي إلى تأخر الخدمات وتفاقم معاناة المواطنين. هذه الحالة بدورها تخلق بيئة خصبة لاندلاع الاحتجاجات والنزاعات التي تُستخدم فيها أساليب العنف أو التلويح به كوسيلة لإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة تخدم مصالح فصائل معينة دون غيرها، كما في حالة «قوات سوريا الديمقراطية». وهكذا تصبح الدولة في موقف صعب؛ فهي تحاول استعادة السيطرة عبر استخدام التفاوض أو القوة، بينما تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تجعل من استخدام العنف أكثر انتشاراً، سواءً من قِبل الدولة أو من قبل اللاعبين الآخرين الذين يسعون للحفاظ على مواقعهم أو توسيع نفوذهم.
وفي هذا السياق، فإن التدهور الاقتصادي قد لا يخلق فرص للاعبين الآخرين مع الحكومة في ميدان العنف فقط، بل قد يقوض سعي الحكومة لتشكيل جيش موحد من فصائل حليفة، تعدادها بحسب وزير الدفاع الجديد مئة فصيل. جُلّ تلك الفصائل كان لها مصادر تمويل خاصة مرتبطة باقتصاد الحرب، وبالتالي فإن ضعف موارد الحكومة الجديدة وعجزها عن تأمين رواتب أو بدائل اقتصادية مرضية للجيش الجديد؛ قد يدفع بتلك الفصائل إلى العودة للانخراط في أنشطة اقتصادية لتمويل نفسها كما في السابق، مما يفتح الباب للعودة للحالة الفصائلية التنافسية على الموارد والثروة.
ختاماً، يبقى الخطر الأكبر هو أن يتحول العنف من وسيلة مُبررة بالضرورات الأمنية لإدارة المرحلة الانتقالية إلى ركيزة دائمة في بنية الدولة الجديدة، ما قد يؤدي إلى خلق نظام سياسي يعتمد على القوة بدلاً من الشرعية. فاستمرار استخدام العنف دون حلول سياسية واقتصادية شاملة سيجعل منه أداة مستدامة لإدارة التوازنات، ما يُضعف احتمالات بناء دولة مستقرة. لذلك، فإن قدرة الحكومة على تقليل اعتمادها على العنف، وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، يجب أن تترافق مع إصلاحات في بنية المؤسسات الأمنية. كما أن بناء أجهزة أمنية قائمة على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون سيكون ضرورياً لتجنّب تحوّل العنف إلى ممارسة ممنهجة، وضمان ألا تصبح المرحلة الانتقالية مدخلًا لترسيخ القمع كأداة دائمة للحكم.
-


























