مرّرَ بنيامين نتنياهو قبل يومين رؤية حكومته لما أسفر عنه التغيير في سوريا، فقال: “لم نحصل على الزهور عند سقوط نظام بشار الأسد، لكن لا مشكلة (…) لم نسمح باستخدام الأراضي السورية لمهاجمتنا”.
المجاز هنا يفصحُ أن الحدث لم يكن في صالح إسرائيل التي تحتل الجولان منذ العام 1967، لكن الجملة الملحقة هي بيتُ السرّ، فقد أنجز هؤلاء وعبر عقود صيغةً ما، تمنعُ قدومَ الأخطار من جهة سوريا، حيث تكفّل حافظُ الأسد ومن بعده ابنه ألّا يقومَ أيُّ مغامرٍ أو متحمّسٍ بالهجوم على عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ إن عبورَ أيِّ مواطنٍ لحدود المنطقة العازلة كان ممنوعاً، إلا بموجبِ موافقةٍ أمنيةٍ يتمّ الحصول عليها من فرع الأمن العسكري في سعسع، وإذا حصل أن اُختُرِقتِ الموانع، فإن مناظيرَ دُشَمِ الحراسةِ الإسرائيليةِ على خطِّ وقفِ إطلاقِ النارِ ستكشفُ الاختراقَ، وستحيّدُ أصحابَهُ!
تَمَفصُلُ نظامِ بشارِ الأسدِ في حلفِ المقاومةِ والممانعة، كان يسمحُ لحزبِ الله أن يؤديَ الدورَ الذي ترسمهُ له إيرانُ الحرسِ الثوريّ، حيث استُخدِمت الأراضي السوريةُ كممرٍّ لتسليحِهِ، وحين أسهمَ في حمايةِ حليفهِ الأسديِّ من السقوط، وتمددَ في كاملِ المساحةِ التي يسيطرُ عليها جيشُ النظامِ، باتَ خطرُهُ يلوحُ من جهةِ الجولانِ! لكنه لم يقمْ بعمليةٍ كبرى تؤدي إلى خلخلةِ الصيغةِ شبهِ المتفقِ عليها بين الإسرائيليين والأسديين، رغمَ الجعجعةِ الإعلاميةِ على الشاشات.
تتبعُ مسارِ التحركاتِ الميدانيةِ الإسرائيليةِ في سوريا منذ ما قبلَ سقوطِ نظامِ بشارِ الأسد، يهدفُ إلى تغييرِ الخطوطِ المثبتةِ على أوراقِ الأممِ المتحدةِ في اتفاقيةِ وقفِ إطلاقِ النار لعامِ 1974.
الأساسُ في القصةِ كلِّها هو أمنُ شمالِ “إسرائيل”، وما زال هذا الأمرُ يتحكمُ بالمعادلةِ التي يريدُ نتنياهو أن تستمرَّ.
تتبعُ مسارِ التحركاتِ الميدانيةِ الإسرائيليةِ منذ ما قبلَ سقوطِ نظامِ بشارِ الأسد، ولا سيما منها التمددُ نحوَ ابتلاعِ المنطقةِ العازلة، ومن ثمَّ الانقضاضُ على المدنِ والقرى المتاخمةِ لها، وتجريدُ سكانِها من الأسلحةِ الخفيفةِ التي يمتلكونها، وصولاً إلى تخريبِ البنيةِ التحتيةِ في مدينةِ البعثِ (المقرِّ الإداريِّ للمحافظة)، يشي بأن المخططَ الحاليَّ للسياسةِ العسكريةِ الإسرائيليةِ، ورغمَ إعلانِ القيادةِ السوريةِ الجديدةِ عدمَ رغبتِها بالحرب، يهدفُ إلى تغييرِ الخطوطِ المثبتةِ على أوراقِ الأممِ المتحدةِ في اتفاقيةِ وقفِ إطلاقِ النار لعامِ 1974.
وفي السياقِ ذاتهِ، تأتي تصريحاتُ بعضِ قادةِ الكيان، بأن وجودَ قواتِهم في الجهاتِ التي كانت تحتَ سيطرةِ الجيشِ السوريِّ، سيستمرُّ لوقتٍ طويل، لتؤكّدَ أن الأهدافَ لم تعدْ محضَ أمنيةٍ، بل تتسعُ لتقومَ على مبدأ إخلاءِ المنطقةِ من السكان، عبرَ جعلِ الحياةِ فيها صعبةً، ما يخلقُ أزمةً جديدةً للسوريين قيادةً وشعباً.
ربما كان أسوأَ معطياتِ سقوطِ النظامِ بالنسبةِ للإسرائيليين، إنما هو اضطرارُهم لأن يفعلوا بأيديهم هذه المرةَ، ما كان يقومُ به بشارُ الأسدِ وأبوه من قبله؛ ليس منع السوريين من نازحي الجولان من مقاومةِ المحتلين فقط، وليس جعلَ المسألةِ مستحيلةً طالما أن النظامَ هو من يحمي المنطقةَ، بل القيامُ بتفريغٍ حقيقيٍّ لها، وتكريسُ سيناريو مدينةِ القنيطرة، التي هدمها الاحتلالُ قبلَ الانسحابِ منها، ومنعَ سكانها من العودةِ إليها، حيث يظهرُ من خلالِ أعمالِ الجيشِ الإسرائيليِّ أن الهدفَ هو ممارسةُ الضغطِ على السكان، وتقليلُ فرصِ أن تكونَ الحياةُ طبيعيةً في حيواتهم، وبما يمكنهم من زراعةِ أراضيهم ورعيِ مواشيهم!
مشكلةُ السيناريو الإسرائيليِّ أن أصحابَهُ لا يمتلكون رؤيةً كاملةً، لما يمكن أن يؤديَ إليه، وكما فشلوا في تقديرِ أن الأسدَ -حليفهم غيرُ المعلن- سيسقطُ في نهايةِ الأمر، يفشلون الآنَ في قراءةِ ما يفكرُ به السوريون، بعد أن أزاحوا من طريقهم أسوأَ كارثةٍ حلّت بهم في تاريخِهم الحديث، وباتَ عليهم الآن أن يعيدوا بناءَ بلدهم وإعادةَ تأسيسِ حياتِهم كما كلُّ شعوبِ الأرض.
لا يدركُ نتنياهو وجماعتُهُ من المتطرفينَ الدينيينَ أن المشاقَّ الحاليةَ التي يعيشُها ضحايا حكمِ الأسدِ، ستنتهي يوماً ما، وربما تنتهي في وقتٍ أسرعَ مما يعتقد، ليلتفتوا بعد ذلك إلى كلِّ القضايا، التي لم يكونوا قادرينَ على التطرقِ إليها فيما مضى.
مشكلةُ السيناريو الإسرائيليِّ أن أصحابَهُ لا يمتلكون رؤيةً كاملةً، لما يمكن أن يؤديَ إليه، وكما فشلوا في تقديرِ أن الأسدَ -حليفهم غيرُ المعلن- سيسقطُ في نهايةِ الأمر، يفشلون الآنَ في قراءةِ ما يفكرُ به السوريون، بعد أن أزاحوا من طريقهم أسوأَ كارثةٍ حلّت بهم في تاريخِهم الحديث.
المسألةُ هنا لا تتعلقُ فقط بحقوقِ السوريينَ بأراضيهم، بل أيضاً بالدورِ الإجراميِّ الذي لعبتْهُ دولةُ الاحتلالِ في إبقاءِ حكمِ الأسدِ جاثماً فوقَ كواهلِهم.
مقولةُ “الكبارُ يموتون.. والصغارُ ينسون”، التي أطلقها بن غوريون، مؤسسُ الكيان، وتحولتْ إلى نابضٍ رئيسٍ في العقليةِ الصهيونيةِ في العلاقةِ مع كلِّ الشعوبِ العربيةِ التي تسببوا في تدميرِ حيواتِ أبنائِها، تجسّدتْ واقعياً من خلالِ زراعةِ المشكلِات التي تجعلُ الكبارَ والصغارَ ينسون، من خلالِ إغراقِ هؤلاء بأزماتٍ كارثيةٍ، من مثل أن تُحكمَ سوريا باستبدادٍ دمويٍّ فاجرٍ أربعَ سنواتٍ ونصفَ قرن!
غيرَ أن التصورَ السالفَ، عن أن البشرَ يُقادونَ نحوَ السلامِ من خلالِ قمعِهم وإرهابِهم، لم يعدْ ذا جدوى، إذ لم يتراجعِ السوريونَ عن هدفِهم في تدميرِ النظامِ البائد، رغمَ الوقتِ المديدِ الذي احتاجوه للوصولِ إلى غايتِهم، كما أن المراهنةَ على أن الأجيالَ الجديدةَ لن تكونَ مهجوسةً بالحقوقِ السليبةِ، تتبددُ مع ظهورِ شبابٍ سوريٍّ وعربيٍّ، يطمحُ للتغيير، ويمتلكُ أدواتِه المختلفةَ عمّا كان يتوفرُ لدى الأسلاف. كلُّ هذا يؤشّرُ إلى أن الوضعَ الحاليَّ لن يستمرَّ، وإن طالَ الزمنُ، وإن لحظةَ المواجهةِ مع هذا الإرثِ ستأتي، لا لرغبةٍ في تأجيجِ الصراعِ، بل لكونِ أسبابِهِ ما تزالُ باقيةً.
- تلفزيون سوريا



























