تساهم البيئات المحلية والدولية للأمم في تشكيل مواضيع سياساتها. وتواجه هذه البيئات الأنظمة السياسية بمجموعة من المشكلات مثل البطالة والتضخم والنمو الاقتصادي والصراعات العرقية أو الطائفية والتهديدات الخارجية، إلخ. ولأن للشرعية دورا بارزا في استقرار النظام وديمومته، فقد يكون ضعف شرعية النظام سببا في تحطيم المؤسسات السياسية وفشل السياسية العامة، وقد يكون فشل السياسة سببا في تراجع شرعية النظام. وعندما يفقد النظام السياسي شرعيته داخليا وخارجيا لا بد له أن يصبح من الماضي مفسحا المجال لنظام جديد يفترض أن يكون أكثر مقدرة على الاستجابة لمطالب البيئتين الداخلية والخارجية.
النظام السياسي
يشير مفهوم النظام السياسي إلى مجموعة من المؤسسات الاجتماعية التي تعنى بصياغة الأهداف العامة لمجتمع ما، والعمل على تنفيذها. وتدعم قرارات النظام السياسي عادة بالشرعية القسرية، ويمكن فرض الخضوع لها بالقوة. وبطبيعة الحال يوجد النظام السياسي في بيئة محلية ودولية، وهو يشكل تلك البيئات ويتشكل بها. ويتلقى النظام من البيئتين الداخلية والخارجية مدخلات (مطالب أو دعم)، ويحاول أن يشكلها من خلال المخرجات (قرارات وإجراءات). وفي عالم اعتمادي (اعتماد الدول على بعضها بمعنى أن ما تفعله أمة يؤثر على باقي الأمم) لا يمكن للسياسيين أن يفعلوا ببساطة ما تريده شعوبهم، أو حتى ما يريدوه هم أنفسهم إذا ما واجهت رغباتهم ضغطا دوليا قويا. علاوة على ذلك فالأمم مقيدة بتاريخها الخاص، فتغيير المؤسسات السياسية أسهل بكثير من التغلب على تراكمات خلفتها عشرات السنوات من التعايش مع نمط اقتصادي واجتماعي معين.
في الثقافات السياسية المتعارضة ينقسم المواطنون على بعضهم بحدة، وغالبا ما يدور انقسامهم حول شرعية النظام وحل المشاكل الرئيسية.
البيئة الداخلية
بشكل دراماتيكي انهار نظام البعث في سوريا بعد أن فقد شرعيته داخليا وخارجيا؛ تاركا خلفه دولة تلفظ أنفاسها الأخيرة، فالمدن مدمرة والبنية التحتية متهالكة والاقتصاد منهار والخزينة فارغة والمجتمع مفكك والفقر أرهق الشريحة الأكبر من الشعب. وهكذا وجدت الإدارة الجديدة نفسها في مواجهة بيئة داخلية شديدة التعقيد؛ مطالبها شديدة التناقض من جهة ومستحيلة التحقيق – في معظمها – من جهة أخرى، فالبيئة الثورية تطالب بالقصاص العادل، والذي هو بمنظورها يتجاوز ما سعت إليه الإدارة الجديدة بملاحقة كبار المجرمين والعفو عن البقية، في حين كانت مطالب الآخرين عفوا عاما يشمل الجميع. وعلى مستوى آخر؛ تعالت الأصوات المطالبة بإقصاء الفئات والمجموعات المتهمة بتأييد النظام البائد أو حتى المتهمة بالفساد والفشل من خارج دائرة المؤيدين، بينما تعالت أصوات في المقابل مطالبة بالمشاركة بالحكم، بل ربما كانت مطالب البعض أن تتنحى القيادة الجديدة جانبا وتوكل إليهم مهمة إدارة المرحلة الجديدة. وعلى هذا المنوال من التناقض تلقت الإدارة الجديدة مطالب البيئة الداخلية، أو المدخلات بكل مفرداتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
البيئة الدولية
على مستوى البيئة الدولية يبدو أن العالم كان قد اتخذ قراره بطي الملف السوري بأي شكل كان، ويبدو أن قادة الدول الكبرى كانوا مرغمين على قبول هذا القرار تحت وطأة الضغوط التي تمارسها الدول المتضررة مما أفرزته الأزمة السورية وتاجر بها النظام البائد، وهكذا كان انتصار الثورة السورية كفيلا بإنقاذ قادة العالم من مأزق أخلاقي سيلطخ تاريخهم بالعار نتيجة قبولهم بالتصالح مع نظام أقل ما يقال فيه إنه نظام مجرم قاتل. لذلك، أصبحت الرغبة بإسدال الستار على القضية السورية وإغلاق هذا الملف أشد وضوحاً وأقل إحراجا. وإذا اعتبرنا أن القسم الأول من المدخلات (الدعم) إيجابيا جدا بالعموم، يبدو أن المطالب أيضا ليست سيئة، أو لنقل إن المعلوم منها يتقاطع مع رغبات الكثير من السوريين، كما في مطلب الحكومة التمثيلية، أو في مطلب حماية الأقليات وما شابه ذلك. رغم ذلك؛ لا يمكن الحكم على المطالب الدولية بالسلب أو الإيجاب مادامت تنطوي على بعض الجوانب السرية، أو بعض المطالب التي قد تستجد.
تغيير المؤسسات السياسية أسهل بكثير من التغلب على تراكمات خلفتها عشرات السنوات من التعايش مع نمط اقتصادي واجتماعي معين.
خيارات الحكومة السورية بين الواقع الجيوسياسي وانقسامات الداخل
في مجمل الأحوال، يصعب على المواطنين، حتى في الدول ذات التوجه الديمقراطي، أن يشاركوا بشكل مباشر في صنع السياسة، فالمواطن العادي – بالتحديد – وقته المخصص للسياسة محدود. وفيما عدا بعض الاستفتاءات بين الحين والآخر، فإن السياسات الوطنية لا يمكن تقريرها بشكل مثمر عن طريق المشاركة الجماهيرية، فعملية صنع السياسات على المستوى الوطني تبدو أكثر تعقيداً مما يتصوره المواطن العادي، وغالبا ما تكون مشاركة المواطن على المستوى المحلي أكثر جدوى. لذلك، تبدو فكرة ممالأة الشارع بكل ما يرغب به بعيدة عن السلوك السياسي المحترف. وهذا لا يعني ازدراء المواطن، وإنما اتباع تكتيكات من قبيل التواصل والحوار، وهنا لا بد من التذكير بالدور البارز للإعلام وصناعة الرأي العام، إضافة إلى تجميع المصالح واتخاذ الإجراءات التي تنال رضا الأغلبية.
أما على مستوى البيئة الدولية؛ تبدو القراءة الموضوعية للواقع الجيوسياسي السوري مدخلا مهما لصناعة السياسات الخارجية، والذي (الواقع الجيوسياسي) يقيد أي حكومة سورية بمسار شبه وحيد: عدم الانحياز كليا لأحد المحاور الإقليمية.
في الثقافات السياسية المتعارضة ينقسم المواطنون على بعضهم بحدة، وغالبا ما يدور انقسامهم حول شرعية النظام وحل المشاكل الرئيسية. ومن جهة أخرى؛ هناك حقيقة تقول: إن الحكومات ذات الشرعية العالية أشد فاعلية في وضع السياسات وتنفيذها، وأكثر قدرة على تجاوز الصعوبات والنكسات. بمعنى آخر؛ إذا أراد السوريون تجاوز أزماتهم بسرعة عليهم منح حكومتهم الجديدة مزيدا من الشرعية.
- العربي الجديد


























