الحلقة الثانية الاخيرة في تقرير الصحافي مايكل ج. توتين المبني على مقارنة بين بيروت وبغداد:
كيف يمكن إذاً المقارنة بين بغداد وبيروت؟ أحد الأسباب هو تنوّع بغداد – أو بعبارة أخرى، طائفيتها. نحو 60 في المئة من العراقيين هم عرب شيعة، في حين أن حوالى 20 في المئة هم عرب سنّة و20 في المئة أكراد سنة. والسياسة في العراق مذهبية أيضاً. يدعم الأشخاص عملياً أحزاباً – أو ميليشيات – تمثّل حصراً المذهب الذي ينتمون إليه. أحدث "التطهير المذهبي" تحولاً جذرياً في التركيبة الديموغرافية في بغداد في عامَي 2005 و2006؛ معظم الأحياء في العاصمة هي الآن إما سنّية وإما شيعية.
أما الأكراد فقد عزل معظمهم أنفسهم في منطقة ذات استقلال ذاتي في الشمال. لا يزال الأكراد يريدون الانفصال عن العراق، ومن المستبعد أن يكون بالإمكان إقناعهم بالعدول عن الأمر في وقت قريب. لكن قد تندلع حرب أخرى حول المسألة. تريد حكومة إقليم كردستان ضم محافظة كركوك الغنية بالنفط، غير أن عدداً كبيراً من سكان كركوك هم تركمان أو عرب نقلهم صدام حسين إلى هناك، وليس من مصلحتهم أن يصبحوا أقليات إتنية في أرض كردية.
تستقطب الانقسامات المذهبية في العراق، على غرار الانقسامات في لبنان، قوى خارجية. فعلى سبيل المثال، جنّد عدد كبير من العرب السنّة إرهابيين من تنظيم "القاعدة" في معركتهم ضد الجيش الأميركي والحكومة المركزية التي يسيطر عليها الشيعة بين 2004 و2007. لكن إيران هي البلد الشرق الأوسطي الأكثر تدخّلاً في لبنان والعراق بصورة متزامنة. عام 2008، قال ريان كروكر – السفير الأميركي في لبنان من 1990 إلى 1993، وفي العراق من 2007 إلى 2009 – للكونغرس إن إيران تمارس "استراتيجيا لبننة" في العراق، و"تستعمل التقنيات نفسها التي استخدمتها في لبنان لاستمالة عناصر من الطائفة الشيعية واستخدامهم بمثابة أدوات للقوة الإيرانية في شكل أساسي". في كتابه الجديد The Gamble (المقامرة)، يشرح الكاتب توماس ريكس الحائز على جائزة بوليتزر: أثار كروكر مخاوف بشأن "ما سمّاه لبننة العراق – أي إضعاف الحكومة وانقسام الناس إلى مجموعات مذهبية وصعود ميليشيات تنافس الحكومة على القوة النارية الموثوقة".
لكن في هذا المجال بالذات، يبدأ العراق بالتقدّم على لبنان. لا يزال الجيش اللبناني أضعف من أن يُستعمَل ضد "حزب الله" من دون أن يهجره الشيعة بأعداد هائلة وينضموا حتى إلى المعارضة. لكن في العراق الذي كان يواجه المشكلة نفسها، بنى الجيش الأميركي جيشاً فاعلاً وسلّحه ودرّبه. لقد تصدّع هذا الجيش مرات عدة، لكن بقيت هناك دائماً نواة موثوقة من الجنود الموالين للحكومة المنتخبة. وكلما كان الجيش يستبدل الفارين بمجنّدين جدد، كانت نواة الجنود الموالين تكبر أكثر فأكثر. ومع كل عام كان الأميركيون يدرّبون فيه النواة الموالية ويسلّحونها، كان الجيش يصبح أكثر كفاءة وخبرة.
بحلول ربيع 2008، كان الجيش قد أصبح قوياً وموالياً بما يكفي ليرسله رئيس الوزراء الشيعي إلى المعركة ضد الميليشيات الشيعية في مدينة الصدر والبصرة، حيث انتصر من دون أن ينقسم. لا تزال إيران تملك جيشها الخاص الذي أنشأ شبه دولة في لبنان، لكن امتيازها العراقي انهار. لم تعد الميليشيات تحكم أي جزء من العراق. خارج المنطقة الكردية ذات الاستقلال الذاتي، تتمتّع الحكومة المركزية بالسيادة على كامل أراضيها.
ويتقدّم العراق على لبنان في جانب آخر منافٍ للبديهة: كان في حال أسوأ بكثير في الأعوام القليلة الماضية، وربما بلغ الحضيض قبل أن ينهض من جديد. يقول المحلل السياسي اللبناني إيلي خوري "عندما تفشل النظريات السياسية في الشرق الأوسط، يكون فشلها ذريعاً. يميل الناس الذين كانوا يؤمنون بها إلى دعم وجهة نظر مناقضة كلياً لاحقاً". كان عدد كبير من العراقيين يدعمون حركة تمرّد أو زمرة موت أو مجموعة إرهابية معيّنة بين 2004 و2007؛ وقد أدى ذلك إلى تقطّع أوصال بلدهم. دفع العراقيون بأنفسهم إلى حافة الهاوية، ونظروا مطوّلاً إلى السواد في داخلها، وتراجعوا. لا يكترث معظم العراقيين للجنود الأميركيين، لكنهم قرروا أن التعاون مع جيش أجنبي ضد الإرهابيين والمتمردين أفضل من تحمّل السياسة من طريق الرصاص والسيارات المفخخة.
من غير الوارد أن نرى مشهداً موازياً على الساحة اللبنانية، أي أن تقف غالبية السكان إلى جانب الإسرائيليين ضد "حزب الله". وأحد الأسباب هو أن مشاعر العداء لإسرائيل في لبنان أعمق وأوسع نطاقاً بكثير من مشاعر العداء لأميركا في العراق. والسبب الآخر هو أن "حزب الله"، وعلى الرغم من أنه ميليشيا مفتعِلة للحرب، معتدل مقارنة بالميليشيات في العراق، ولهذا من المستبعد أن يحصل رد فعل ضده على الطريقة العراقية. معظم ضحاياه هم إسرائيليون؛ ولا أحد في لبنان يتخوّف من أن يُقتَل في انفجار سيارة مفخخة وضعها "حزب الله" استراتيجياً في سوق لرفع عدد الضحايا إلى أقصى حد. حتى إن "حزب الله" يملك قسماً للعلاقات الإعلامية يستطيع الصحافيون الأميركيون أن يعرّجوا عليه ويطلبوا إجراء مقابلات. لقد تعرّضت للاستقواء والمضايقة على يد رئيس القسم عام 2005، لكنني لم أُخطَف أو أُقتَل – كما كان ليحصل لو أنني قصدت تنظيم "القاعدة" وعرّفتهم عن نفسي في العراق.
في الوقت الحالي، يبقى العراق أكثر تخلّفاً وعنفاً من لبنان. لكن العراقيين يتعلّمون بسرعة. لا شك في أنه ليست للديموقراطية والأفكار الغربية جذور عميقة في العراق كتلك التي تملكها في لبنان، والبدائية العراقية هي عائق كبير جداً – لكن كل ديموقراطية ناضجة في العالم كانت متخلّفة من قبل، وبعضها كان لا يزال متخلفاً في التسعينات. على الرغم من العنف المستوطن في العراق، لقد عرف العراقيون أكثر من مجرد انتقال سلمي واحد للسلطة منذ عام 2003، ولديهم الحق بأن يتوقّعوا استمرار هذا النمط الجديد.
الكابتن في الجيش الأميركي تود لوني ونظيره أيه جي بويز اللذان قامت فرقتهما بالجزء الأكبر من القتال في مدينة الصدر، متفائلان بشأن التطوّرات الديموقراطية التي شهدا عليها. يقول بويز "أظن أن الديموقراطية تنمو فعلاً هنا. نرى ائتلافات حكومية. ونرى جدلاً حقيقياً. لقد احتاجوا إلى مساعدة دولية للمباشرة ببعض هذه الأمور، لكنهم قطعوا في الوقت نفسه شوطاً بعيداً جداً. أظن أن المستقبل ليس مشرقاً بعد، لكن الإمكانية موجودة بأن يعمل هذا المجتمع كما يجب". ويشير لوني إلى خطر التوقّعات غير الواقعية "خاب ظن الناس لأنه بعد خمس سنوات في العراق لم ننتقل من الديكتاتورية إلى اميركا في الشرق الأوسط؟".
يعتبر لوني وبويز أنه على الرأي العام الأميركي أن يكون مستعداً لارتفاع جديد في أعمال العنف، ومعظمها برعاية إيرانية، بعد انسحاب الجيش الأميركي من المدن العراقية. قال لي السرجنت في الجيش الأميركي، نك فرانكلين، في بغداد إن عملاء النظام الإيراني "يتوارون عن الأنظار الآن ويفلتون منا. لكنهم لا يزالون يقتلون رجالنا، ونحن نعلم ذلك. وأنتم تعلمون ذلك. لكننا نتظاهر بأنهم لا يفعلون كي لا نُضطر إلى فتح جبهة جديدة. عندما نخرج، وهم يعرفون أننا خرجنا تقريباً، سوف يبدأون بشن هجومهم هنا في العراق".
لكن لوني وبويز يصران على أن الشرطة والجيش العراقيين أفضل بكثير مما كانا عليه حتى قبل عام واحد، مما يعني أن الحكومة العراقية ستكون، خلافاً للحكومة اللبنانية، قوية بما يكفي لتحمّل الاعتداء. يقول بويز "إذا قمنا بجولة سريعة على السياسة والأمن والحاكمية في العراق عام 2008، وعدنا جيلَين إلى الوراء وأجرينا مقارنة، أظن أننا سنرى فارقاً كبيراً. أعتقد أن الوضع أفضل بكثير الآن".
ترجمة نسرين ناضر
(مراسل أجنبي مستقل في بورتلاند في أوريغون. صدرت مقالاته في "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" ومنشورات أخرى. وينشر أيضاً على موقع www.michaeltotten.com)
"النهار"




















