يمكن القول إن الإنجاز السياسي الأساس لحكومة بنيامين نتنياهو خلال أقل من عام على توليها لمسؤولياتها هو تيئيس الفلسطينيين والعرب من عملية السلام، ودفع الأميركيين الى فقدان الأمل بتحقيق حل الدولتين لشعبين، ودفع الوضع برمته الى حافة الإنفجار الكبير الذي قد لا يتقتصر على الضفة وغزة وانما قد يصل الى لبنان.
تصر حكومة نتنياهو على رفضها تقديم أي تنازل لأي طرف. وتبعث بالتهديدات والتحذيرات بالحرب في كل اتجاه. فتحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولية الوقوف ضد استئناف المفاوضات، وتهدد الحكومة اللبنانية وتحملها مسؤولية أي عمل هجومي يقوم به "حزب الله" ضدها، وتحذر حركة "حماس" من شن عملية عسكرية جديدة على غزة في حال عادت الى اطلاق صواريخ القسام على المستوطنات اليهودية. ولا تتوقف عن التحذير من الخطر الأكبر الذي يمثله حصول إيران على السلاح النووي.
من يتابع عن كثب جدول أعمال حكومة نتنياهو يدرك بسرعة ان أولويات هذه الحكومة ليست التفاوض مع الفلسطينيين، ولا تحريك العملية السلمية مع سوريا، وإنما تفادي السلام عبر التهديد و التخطيط للحرب، أو بالأحرى للحروب الكثيرة المحتملة التي تتهدد إسرائيل، وتحاول جاهدة إقناع الرأي العام الإسرئيلي بها.
ولكن مقارنة ما تقوله القيادة السياسية في إسرائيل بما يصدر عن قياداتها العسكرية يُظهر كأنهما تبادلا الأدوار. ففي الوقت الذي تعالج فيه القيادة السياسية المشكلات السياسية الراهنة، باعتبار الحرب هي الأفق الوحيد المتاح؛ نجد من ناحية أخرى قيادة الجيش الإسرائيلي المولجة بوضع خطط المواجهة العسكرية، تُظهر حذراً أكبر ازاء دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية جديدة، وذلك في ضوء حقيقتين أساسيتين أبرزتهما المواجهات الأخيرة بين الجيش الإسرائيلي وكل من"حزب الله" في لبنان وحركة"حماس" في غزة.
الحقيقة الأولى عدم توصل القيادة العسكرية للجيش الإسرائيلي على الرغم من كل عمليات استخلاص الدروس التي قامت بها الى المعادلة "الأفضل" لخوض حرب "غير متكافئة" بين جيش نظامي تقليدي وتنظيمات مسلحة دون الاستخدام المفرط للقوة والتعرض للمحاسبة الدولية كما جرى في عملية "الرصاص المسبوك" على غزة.
ومن ناحية أخرى عدم قدرة الجيش الإسرائيلي في هذا النوع من المواجهات على تحقيق ما يمكن يعتبره نصراً عسكرياً حاسماً، كما رأينا في حرب تموز 2006 والحرب على غزة، مما سمح للخصم بتصوير نتائج المواجهة انتصارا له.
تعترف قيادة الجيش الإسرائيلي بعدم وجود حلول حاسمة لا لمشكلة صورايخ القسام من غزة، ولا لصواريخ "حزب الله" المتوسطة والبعيدة المدى. وأكبر دليل على ذلك ما قاله بوضوح قائد المنطقة الشمالية اللواء غادي آيزنكوت بأن الجيش الإسرائيلي يملك "رداً موضعياً" على سيناريوات الحرب ضد "حزب الله"، وليس لديه جواب قاطع ونهائي.
منذ صيف 2006 ، يقوم الجيش الإسرائيلي باعداد العدة لمواجهة اندلاع حرب على الحدود الجنوبية والشمالية لإسرائيل، ويعمل على تحضير الجبهة الداخلية لكل أنواع السيناريوات. مثل مشروع "القبة الحديدة" وهو جهاز متطور وحديث لإعتراض أي صاروخ يطلق من غزة في اتجاه إسرائيل؛ وتوزيع الأقنعة المضادة للغازات على سكان إسرئيل تحسباً لهجوم غير تقليدي، والاعداد المحكم لخطة متعددة البعد على "حزب الله" وتقوم على التنسيق الكامل بين أسلحة الجو والبر والبحر، والتحضير لضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، ولكل السيناريوات التي قد تترتب عن مثل هذا الهجوم مثل تعرض إسرائيل لهجوم بالصورايخ من جانب إيران، وامكان دخول سوريا على خط المواجهة العسكرية.
وفي نظر الجيش الإسرائيلي الانجاز الأساسي للمواجهات العسكرية الأخيرة ضد "حزب الله" و"حماس" هو استعادة إسرائيل طاقتها على الردع عبر اظهار قدرتها الهائلة على التدمير. والأرجح أن قيادة هذا الجيش لن تجازف في الدخول في مواجهة جديدة قبل التأكد من استنفاد كل الوسائل لتحقيق الأهداف السياسية قبل اللجوء الى القوة.
"الحياة"




















