في أعقاب ما وُصف بالخسارة المهينة في سوريا، لا يزال العديد من المسؤولين الإيرانيين يتحدثون عن البلاد وكأن طهران لا تزال لاعباً مهماً على الساحة السورية، في محاولة واضحة لإنكار الوقائع الميدانية الجديدة والتقليل من وطأتها. ويعكس هذا التخبط الواضح في الخطاب الإيراني صعوبة استيعاب طهران للواقع الجديد، ويكشف عن مأزق استراتيجي لن يُعالج عبر التصريحات المتناقضة أو محاولات التبرير، بل يكرّس خسارتها طويلة الأمد في سوريا.
في عام 2015، ادعت إيران أنها حققت “انتصاراً دبلوماسياً” عندما أقنع قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتدخل العسكري دعماً لنظام الأسد. إلا أن هذه النشوة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما بدأت موسكو باستغلال الملف السوري لتعزيز نفوذها الإقليمي، على حساب النفوذ الإيراني، حتى وصل الأمر إلى حد اعتراف العميد إثباتي، آخر ضابط إيراني في سوريا، بـ”الدور الخائن” الذي لعبته روسيا، معتبراً أن العامل الروسي كان من بين أسباب انهيار المشروع الإيراني في سوريا.
ومع إخراج إيران فعلياً من المعادلة السورية، لا سيما بعد الفشل الذريع لتمرد الساحل الأخير، لم تجد طهران سوى التعلق بالإجراءات الإسرائيلية – التي كانت حتى وقت قريب تستهدف مراكز نفوذها العسكرية – كأداة لتأجيج الفوضى وإعادة إنتاج دوامة العنف، أملاً في خلق فراغ سياسي وأمني تستعيد من خلاله دوراً خسرته تدريجياً.
ويشير بعض المراقبين الإيرانيين على الفضاء الافتراضي بوضوح إلى أن محاولات التشويش التي تتشبث بها طهران، بعد ضياع عشرات المليارات من الدولارات التي صُرفت دعماً لنظام الأسد، وآلاف القتلى من المقاتلين الإيرانيين والمليشيات متعددة الجنسيات تحت الشعار المزعوم “الدفاع عن الحرم”، باتت اليوم بلا جدوى في وجه واقع سوري تغيّر جذرياً.
في هذا السياق، يُعاد تداول رواية سابقة لوزير الخارجية الإيراني الأسبق، أمير عبد اللهيان، تحدث فيها عن طلب غير معتاد وُجّه للأسد خلال الحرب، حيث دُعي برفقة زوجته لزيارة طهران أو أي مدينة إيرانية أخرى “للاستراحة” مؤقتًا من أجواء الحرب. لكن الأسد، بحسب عبد اللهيان، رفض العرض مؤكداً أنه سيبقى في بلده إلى جانب شعبه حتى النهاية.
إلا أن هذا الوفاء الظاهري للأسد سرعان ما تهاوى مع هروبه المشين، حيث اختار الأسد لاحقاً موسكو بدلًا من طهران كمكان لاستراحته “النهائية”، في خطوة كانت – ولا تزال – سبباً رئيسياً لسخط الإيرانيين عليه وانتقاده بشكل لاذع بين الفينة والأخرى، وسبباً أيضاً في غيابه التام عن إعلامهم الرسمي، بعد أن كان عنواناً دائماً لـ”المقاومة” في خطابهم.
خامنئي يفتح النار على تركيا والرئيس الشرع
في أعقاب تصريحاته العدائية حول سوريا، واصلت صحيفة كيهان الأصولية التابعة لخامنئي، على لسان مديرها حسين شريعتمداري، فتح النار على الإدارة السورية الجديدة والرئيس الشرع بالتحديد، حيث أعاد في مقال عنونه ب “تذكروا هذا الاحتمال”، تكرار ذات المزاعم السابقة مع نبرة تهديدية واضحة لا تخلو من الحسرات على مآلات القضية السورية.
وفي محاولة فاشلة لإثبات وجهة نظره، يضطر شريعتمداري في هذا المقال للتوافق مع تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي للمصادفة تضطر طهران للتعامل اليوم مع التداعيات الخطيرة لصعوده إلى السلطة.
واستمراراً في تبني رؤى متشددة مؤامراتية، غرق شريعتمداري في حديثه عن الوضع السوري، حيث زعم أن “حكم الجماعات التكفيرية في سوريا لن يدوم طويلاً، وأنهم لم يكونوا ولن يجب أن يكونوا حكام البلاد”. وادعى أن “الحكومة التي ترغب الولايات المتحدة في إقامتها في سوريا هي حكومة دمية، على غرار بعض الأنظمة العربية في المنطقة”. وفي نفس السياق، زعم أن “المجموعات التكفيرية تهدف إلى نشر الخوف والرعب، واستئصال القوى الثورية الإسلامية، تمهيداً لإرساء حكم تابع للأجندات الخارجية”، بحسب وصفه.
وفي ختام مقاله، توقّع شريعتمداري أن تقترب مهمة حكومة دمشق من نهايتها، مشيراً إلى احتمال تعرض الرئيس الشرع لمصير مشابه لمصير أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي، بعد أن “ينقضي العمر المفيد” له، حسب تعبيره.
وتُظهر تصريحات شريعتمداري الانتقائية حول سوريا أن إيران لا تزال تتبنى معياراً ثابتاً لتقييم الدول والثورات في المنطقة: فالدول التي تقف إلى جانبها، حتى وإن كانت أنظمتها استبدادية أو فاسدة كنظام الأسد البائد، تُعتبر نزيهة ومقاومة، بينما تُصنف الدول التي تخالفها في المعسكر الآخر على أنها عميلة وخائنة.
وفي سياق تعليقه على الوضع في سوريا، جدد حسين شريعتمداري في مقال آخر تهديداته الضمنية ضد تركيا، مستندًا إلى تصريح سابق لخامنئي حول أهمية أمن تركيا وسوريا معًا خلال لقاء سابق لخامنئي مع الرئيس أردوغان قبل سنوات من سقوط الأسد. وادعى أن الهجوم الأخير الذي أسفر عن سقوط الأسد يخدم من وصفهم بـ “الإرهابيين”. كما وجه تحذيراً صريحاً للرئيس أردوغان، محذراً إياه من وزير خارجيته، حقان فيدان، معتبراً أن تهديدات الأخير لإيران لم تكن سوى “سخافة”، مشيرًا إلى أن تصريحاته كانت غير مؤثرة، بحسب زعمه. وفي نهاية مقاله، اختتم شريعتمداري بتأكيد على أن “التهديدات التي أطلقها فيدان قد سقطت في فخ كان قد أعده لنفسه”، محذرًا قائلاً: “فاعتبروا يا أولي الأبصار”.
إن إعادة تذكير شريعتمداري بتصريحات خامنئي السابقة بشأن سوريا خلال لقائه مع الرئيس أردوغان يجب أن يُؤخذ على محمل الجد، فهي تشير بوضوح إلى أن إيران ماضية في سعيها لزعزعة استقرار سوريا، مع السعي المباشر لضرب الأمن القومي التركي، ويظهر على المستوى التشغيلي كيف يمكن لإيران أن تعوض خسارتها من خلال تحويل دورها من لاعب مؤثر وحاسم في سوريا إلى عنصر مهاجم وتخريبي.
في ذات السياق، هاجم عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، على خلفية الاحتجاجات الأخيرة في تركيا، السياسة التركية، زاعماً أن تدخلات تركيا في سوريا وليبيا والسودان قد أسهمت بشكل مباشر في إشعال الأزمات وزرع بذور عدم الاستقرار في المنطقة. وأضاف أحمد نادري، قائلاً: “عندما تزرع الألغام في السياسة، فسوف تدوس على أحدها عاجلاً أم آجلاً”، في إشارة تحذيرية إلى العواقب التي قد تواجهها تركيا نتيجة لهذه السياسات.
مفارقة الدبلوماسية والميدان مرة أخرى في سوريا
على الرغم من محاولات خامنئي السابقة إشعال ما وصفه بـ”المقاومة الشعبية الشريفة” ضد حكومة دمشق الجديدة مؤخراً، خرج وزير خارجية طهران، ورئيس الدبلوماسية الإيرانية، عراقجي، مؤخراً بتصريحات هادئة ومتناقضة في نفس الوقت مع مواقف خامنئي المتشددة في سوريا.
وخلافاً للأدلة التي تم تقديمها مؤخراً حول دعم إيراني لفلول النظام في الساحل، ظهر عراقجي بنهج جديد حيث عبر عن أن سياسة طهران في سوريا هي الانتظار والترقب، زاعماً أن “إيران لن تتدخل في ما يحدث في سوريا”.
ورغم أن السفير الإيراني الأخير في سوريا، وضابط الحرس الثوري السابق، حسين أكبري قد ادعى بعد أيام من سقوط الأسد استئناف عمل السفارة الإيرانية بدمشق، لكن ذلك لم يحدث فحسب، بل ذهب عراقجي للقول بشكل انفعالي واستهتاري أن “طهران قررت عدم التسرع، وأنها ليست في عجلة من أمرها حتى للتواصل مع الحكومة السورية الجديدة”.
وكان بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية، قد أعلن بداية العام الجاري عن تعيين محمد رضا رؤوف شيباني إيران مبعوثاً خاصاً للشؤون السورية، في أول تحرك إيراني أحادي الجانب نحو دمشق على الصعيد الدبلوماسي.
وكان محمد رضا رؤوف شيباني بعد شهر من ذلك، قد أعلن إن بلاده على تواصل مع دمشق “بشكل غير مباشر وتلقت أيضا رسائل منها” دون الكشف عن فحواها.
وفي تصريح مثير للاستغراب في أعقاب الاتهامات الإيرانية لروسيا بخيانة طهران في سوريا، أوضح عراقجي أن هناك مبدأ بين طهران وروسيا تم التأكيد عليه وهو أنه، بحسب تعبيره، “أن لا أحد منا سيفاجئ الآخر”.
إن مفارقة الدبلوماسية والميدان ليست أمراً جديداً في السياسة الإيرانية، لا سيما في ظل حكومة إصلاحية تتحمل أعباء المواقف المتشددة لخامنئي وتحاول تبريرها، بل إن هذه التناقضات يجب أن تأخذ مع الكثير من الريبة والشك، إذا لطالما استغلتها إيران في ملفات أخرى، كالملف النووي، كوسيلة للخداع والمماطلة.
ويرى الكثير من السوريين أن طهران الذي واصلت دعم نظام الأسد الديكتاتوري بالمال والسلاح والمقاتلين تحت الشعار “الدبلوماسي” المعروف بالدعم الاستشاري الإيراني لسنوات، لن يتقبلوا بسهولة اليوم رواية عراقجي الأخيرة حول “الدور المراقب” لطهران في سوريا، لا سيما بعدما شهدوه من أحداث غذتها الدعاية الإيرانية بشكل طائفي في الساحل السوري.
كيف تتشبث طهران بالطائفية والاعتداءات الإسرائيلية لتفتيت سوريا؟
في محاولتها المستميتة لتخفيف تداعيات خسارتها العسكرية والسياسية في سوريا، لا تزال إيران تتشبث بالنعرات الطائفية وتوظف الاعتداءات الإسرائيلية كأدوات لتفتيت سوريا وتعميق أزمتها. ومن خلال استثمار هذه الهجمات الإسرائيلية، تسعى طهران إلى خلق أجواء من الفوضى والتشويش في الساحة السورية، بهدف إعادة تدوير خطابها، بينما تبتعد عن حقيقة أن تلك السياسات قد أدت إلى تعميق الانقسامات في سوريا.
وبدلاً من قبول هذه الحقيقة والتكيف معها، أظهرت التقارير الموثقة أن طهران تواصل اللعب على وتر الطائفية، معتمدة على الحشد الطائفي للضغط على الحلفاء وتثبيت أقدامها في المنطقة.
وفي هذا السياق، قلل الخبير الإيراني مصطفى نجفي من قدرات الإدارة السورية الجديدة، وتوقع مستقبلًا مظلماً لسوريا في ظل ما وصفه بالهيمنة الأجنبية التي تعاني منها. وأشار إلى أن النظام الجديد في سوريا يفتقر إلى الثقة والقدرة على السيطرة على البلاد، بسبب اعتماده على القوى الأجنبية مثل تركيا، فضلاً عن تدمير البنية العسكرية السورية بشكل كامل من قبل إسرائيل، واحتلال أجزاء كبيرة من الأراضي السورية من قبل تل أبيب.
وتوقع نجفي في مقال له بعنوان “استمرار اللعبة في سوريا بكروت جديدة” على موقع إيرنا مستقبلاً سوداوياً لسوريا عندما رأى أن الصدامات ستكون سمة المرحلة القادمة، إذ ستتزايد المواجهات بين الحكومة الجديدة والمعارضة بمختلف أطيافها، من العلويين إلى القبائل والأكراد والدروز وحتى السنة في جنوب سوريا.
وتكشف هذه التصريحات عن أن طهران تسعى لاسثتمار هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا بعد سنوات من الحرب المدمرة، ومحاولات دمشق إبعاد سوريا عن أي تجاذبات إقليمية، في محاولة لتوجيه أزماتها الداخلية إلى الخارج، ولعب دور المهاجم المخرب في مشهد سوري وإقليمي معقد.
وفي تتمة حديثه؛ اعترف نجفي أن كل من إيران وإسرائيل تسفيدان من عدم استقرار الحكومة السورية واستمرار التوترات، رغم أهدافهما المتضاربة. إذ أن استمرار الصراعات في سوريا يعزز من استمرار الاحتلال الإسرائيلي للحدود الغربية والجنوبية، بينما تسعى إيران، من جانبها، للاستفادة من هذا الوضع كأداة للضغط والتفاوض، بهدف استعادة مكانتها وتأثيرها في الساحة السورية، بحسب تعبيره.
- تلفزيون سوريا



























