في 8 مايو 1945، دخل قرار استسلام القوات النازية حيز التنفيذ، معلنًا نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت ألمانيا من هذه الحرب مدمَّرة في بنيتها التحتية والعسكرية والصناعية، وبعدد هائل من الضحايا، واقتصاد لا يقوى على النهوض.
وفي 8 ديسمبر 2024، انهار نظام بشار الأسد بهزيمة مدوية أدهشت الغالبية العظمى من المتابعين، وخلف الأسد بعد فراره بلدًا منهكًا مدمَّرًا يعشعش الفساد في كل ركن من أركانه، وبخزينة مركزية لا تكفي لإنارة شوارع دمشق لأسبوع واحد.
علاوة على بنية اجتماعية وإنسانية متهتكة، قد فعلت فيها سنون الحرب أسوأ أفعالها، حيث خلّف هذا النظام عبر حرب مدمرة شنها على الشعب السوري بشكل ممنهج مئات الآلاف من القتلى والمختفين قسريًا، وعشرات الآلاف من المعاقين، ومئات الآلاف من الشباب المدمن على المخدرات والفساد بشتى صنوفه.
خرجت ألمانيا من الحرب وهي مقسمة إلى أربع مناطق نفوذ: أميركية، روسية، فرنسية، وبريطانية، ثم ما لبثت أن انقسمت إلى شطرين: شرقي وغربي.
انجلى مشهد السقوط الأخير لنظام الأسد عن سوريا مقسمة إلى عدة مناطق نفوذ، لم تتوحد بعد في قبضة السلطة الجديدة، إضافة إلى انتشار الفصائل المسلحة غير المنضبطة، وشيوع السلاح خارج سيطرة الدولة، الأمر الذي خلق بيئة فاسدة لتفشي الانتقام والجريمة بمختلف أنواعها.
هناك ضغط إسرائيلي وإيراني ومن دول أخرى لإعاقة إعادة الإعمار في سوريا، الأمر الذي لم تعانِ منه ألمانيا بعيد الحرب العالمية الثانية.
حظيت ألمانيا وسائر أوروبا بمشروع مارشال لإعادة الإعمار، بينما تنتظر سوريا الجديدة رفع العقوبات التي ستفتح بوابة المعونات اللازمة وتتيح للاستثمارات الأجنبية والعربية الدخول إلى الأرض السورية البكر التي تحتاج إلى جميع أنواع الاستثمارات، والتي تعد بعوائد ربحية مغرية. في التجربة الألمانية، كانت هناك إرادة دولية، وأميركية بالمقام الأول، لإعادة إعمار أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص، بينما تصطدم الرغبات الدولية والعربية المعلنة اليوم بقرار العقوبات الأميركي، والذي كان من المفترض أن يُشهَر في وجه نظام الأسد المجرم، بينما هو اليوم مسلط على رقاب السوريين الأبرياء والفقراء.
فوق كل هذا، هناك ضغط إسرائيلي وإيراني ومن دول أخرى لإعاقة إعادة الإعمار في سوريا، الأمر الذي لم تعانِ منه ألمانيا بعيد الحرب العالمية الثانية. في ألمانيا، قامت الدولة الوليدة بتطبيق سياسة محاربة النازية ومحو آثارها في المجتمع الألماني.
أما في سوريا، فهناك تغوّل سرطاني لأنصار النظام السابق يهيمن على جميع مفاصل المؤسسات الحاكمة والخدمية بشكل مثير للسخرية، حيث تجد الآلاف منهم يمتلكون أكثر من وظيفة في أكثر من مؤسسة في آنٍ واحد، مما أسهم بشكل مريع في تفتيت الاقتصاد الوطني والإخلال بتوزيع الدخل بين الموالين والصامتين، بينما لم يكن للمعارضين وجود إلا في المنافي أو المقابر أو المعتقلات.
كذلك عمدت الحكومة الألمانية إلى سلسلة من الإجراءات التي تحاكي، بمصطلحات اليوم، ما يُسمّى بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، فقد قدمت محاكم نورمبرغ، التي كانت بقيادة وإشراف الحلفاء، عشرات الضباط من مجرمي الحرب النازيين إلى المحاكمات، وتمت إدانة كثيرين منهم ومعاقبتهم بما يتناسب مع حجم جرائمهم. في مضمار التعليم والثقافة، حاربت كل ما يمتّ إلى المفاهيم النازية والتاريخ النازي والرموز النازية، وجرّمت تداولها أو الدفاع عنها.
واليوم، ومع أهمية تطبيق هذه المقاربة من عدالة متأخرة ومحدودة، ستصطدم القرارات التي ستُصدر بهذا الخصوص بمقاومات من أطراف سورية ما تزال تدافع عن مجرمي الحقبة الأسدية، بل يتطاول بعضهم بشكل مذل ليطالب باعتبار القتلى الموالين لنظام الإجرام والإبادة “شهداء” شأنهم شأن الضحايا، وهذا ما لم يقله أحد في تاريخ الجريمة والانحطاط.
سيكون للتعليم وتوجيهه في هذا الخصوص معركة أخرى بين مؤيدين ومعارضين، ولكن لن تتعافى سوريا، ولن تختفِ الاحتقانات الطائفية بين طائفة الأسد وعصاباته وطائفة السوريين الضحايا ما لم تأخذ العدالة الانتقالية مجراها. وإن التغاضي عن جرائم بعضهم سيشرّع لأهالي الضحايا الانتقام فرديًا ممن قتل واغتصب ونهب واعتقل، وهذا باب كبير للخراب والفساد إن تُرك على عواهنه. وستكون من أولويات المهمة والمسؤولية التعليمية والإعلامية التركيز على الحقوق والمواطنة كمعيار وحيد للنظر إلى أي سوري من أي منبت كان، وبناء قيم الحرية والعدالة، وتمكين دور المجتمع المدني، لأنه الأقدر والأقرب لعموم السوريين، ولأنه في الغالب يحمل رسائل إيجابية تستنهض الهمم والقيم والعمل من أجل الآخرين.
لدى سوريا جملة من الموارد، في مقدمتها الزراعة، وبعض المعادن، وطرق العبور الدولية، وربما مستقبلًا خطوط الغاز العابرة، والتي تُشكّل بمجملها رافعة مساعدة في تعافي الاقتصاد السوري.
قامت ألمانيا في السنوات التالية للحرب بسلسلة واسعة من الإصلاحات السياسية والقانونية، كانت بمنزلة الرافعة والداعمة لتبني اقتصاد السوق، الذي أسهم بشكل سريع وكبير في نهضة ألمانيا الحديثة وتصدرها، في زمن قياسي، قائمة الدول الاقتصادية الأولى في العالم. واليوم، أمام السوريين تحدٍّ كبير في السير على نهج مقارب يُحدث تغييرًا سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الممكنات المتاحة أمام سوريا وإدارتها السياسية محكومة بالإطار العربي، وأنظمته ذات الهوامش المحدودة في الحريات، والتي لن ترحب بأي نظام يتجاوز محدودياتها وأطرها المرسومة، وفي قدرة الشعب على ممارسة دوره الرقابي الذي يحمي الدولة والسلطة من الشطط والتغوّل.
لدى سوريا جملة من الموارد، في مقدمتها الزراعة، وبعض المعادن، وطرق العبور الدولية، وربما مستقبلًا خطوط الغاز العابرة، والتي تُشكّل بمجملها رافعة مساعدة في تعافي الاقتصاد السوري وتحركه نحو الاستقرار في مستقبل قريب. كل هذا يُغري الكتل المالية لدى دول صديقة، ورجال أعمال سوريين وعرب، بالمغامرة باستثمارات تعد بالنجاح، إن حُصّنت بحزمة من القوانين الداعمة.
كل ما سبق قوله يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير عاجل لقوانين تساعد على التعافي السريع، وصولًا إلى دستور تستقر عليه البلاد، وعلى صيغ وممارسات تشاركية في جميع مفاصل السلطة والحكم تنصف المقصيين القدماء وتطمئن الآخرين. وإن كان هذا صعب المنال إلى حدّ كبير، فإن انتزاع الامتيازات ممّن كانوا يحوزونها باطلًا – وهم كثيرون إلى درجة مخيفة – نذير برفض عنيف واضطرابات ربما شهدنا بعضًا منها في الأسابيع المنصرمة. وتبقى المهمة شديدة الوعورة، لا بد معها من تحمّل آلام التغيير البطيء حُكمًا وضرائبه، فـسوريا والسوريون اليوم ينهضون من دركات الهاوية السوداء.
- تلفزيون سوريا



























