بعد عقد وأكثر من الثورة السورية وبعد عدة أشهر من سقوط النظام البائد كان الدمار يشمل أجزاء واسعة من البلاد، حيث تقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم.
بلد محطم، منهك، مجزأ، تتناهشه الأطراف الإقليمية والدولية، ويتنافس فيه بعض أطراف الداخل على السلطة والنفوذ. وإلى الآن لا وجود لسلطة مركزية جامعة، ولا عقد اجتماعي موحّد، ولا مؤسسة تمتلك الاعتراف والسيطرة الكاملة على كافة الأراضي السورية حتى تاريخ كتابة هذا المقال. ماهو الحل؟
في هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة إلى نظرية سياسية تؤطّر وتؤسس لفهم الضرورة القصوى لقيام الدولة واضحة وملحّة. وهنا تُستدعى نظرية توماس هوبز، الفيلسوف الإنجليزي، الذي صاغ في كتابه الشهير “اللفياثان” أساسًا فلسفيًا لقيام الدولة بوصفها الخلاص من الفوضى، ومن “حرب الجميع ضد الجميع”.
هوبز والدولة كخلاص من الوحشية
يُنظر هوبز أن الإنسان في حالته الطبيعية (ما قبل الدولة) يعيش في فوضى مطلقة، حيث لا قوانين ولا سلطة، بل فقط صراع دائم من أجل البقاء. في هذه الحالة، يُصبح الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان، ويُحكم المجتمع بقانون الغاب: “القوي يأكل الضعيف”.
من هذه الحالة تنشأ الحاجة إلى كيان قادر على ضبط السلوك البشري وفرض النظام، وهو ما يسميه هوبز بـ “الليفياثان” أي الدولة القوية، التي تحتكر العنف، وتضمن الأمن، وتُنهي حالة الصراع.
وبحسب هوبز، فإن الناس حفاظًا على حياتهم وأمنهم يضحّون بجزء من حريتهم ويمنحون السلطة لهيئة حاكمة (الدولة)، تكون مسؤولة عن حفظ النظام ومنع الفوضى وهذا ما يحتاجه السوريون اليوم.
لا يمكن للسوريين النجاة بكل مكوناتهم من جحيم الفوضى إلا بتشكيل الدولة أو في الثقة في الدولة واعطائها فرصة ضمان الاستقرار والقانون النافذ على الجميع.
النظرية وفق الواقع السوري
إذا أسقطنا هذا النموذج الفلسفي على الواقع السوري بعد سقوط النظام، فإن ملامح “الحالة الطبيعية” التي وصفها هوبز تتجلى بوضوح:
• غياب السلطة المركزية التي تشمل كل الأراضي السورية
• انتشار المليشيات والفصائل المسلحة في عدة مناطق متفرقة
• تدخلات خارجية ذات مصالح متضاربة
• تقسيم جغرافي على أساس السيطرة لا على أساس السيادة
• تهديد دائم للأمن الفردي والجماعي
• فقدان الثقة بين المكونات الاجتماعية
كل هذا أنتج بيئة مبنية على حقيقة يتسلط فيها الأقوى، وتُنفى فيها الحقوق، ويُستباح فيها الإنسان باسم الانتماء أو السلاح أو النفوذ. أي وبكل بساطة إنها، حرفيًا، “حرب الجميع ضد الجميع”.
الضرورة الأخلاقية والسياسية لبناء الدولة
في مثل هذا الواقع، لا يمكن للسوريين النجاة بكل مكوناتهم من جحيم الفوضى إلا بتشكيل الدولة أو في الثقة في الدولة واعطائها فرصة ضمان الاستقرار والقانون النافذ على الجميع، ليس كونها أداة سلطة فقط، بل كضامن للعدالة والأمن المشترك.
فإن ما تحتاجه سوريا اليوم هو ثقة في الدولة و“عقد اجتماعي جديد” يُشبه الارتكاز النظري الذي رمى إليه هوبز، حيث تقوم مفاهيمه على المبادئ التالية:
· القبول بسلطة شرعية واحدة، تنشأ من الشعب وتُعبّر عن تطلعاته، لا عن مصالح الخارج.
· احتكار القوة والسلاح بيد الدولة فقط، مع تفكيك الفصائل والميليشيات.
· فصل السلطات وضمان الحقوق والحريات، بما يضمن ألا تتحول الدولة إلى أداة قمع كما كان الحال في عهد النظام البائد.
· العدالة الانتقالية والمحاسبة، بحيث يُفتح الباب للمصالحة دون التستر على المجرمين بطابع القبيلة أو الطائفة أو العرق. توزيع عادل للموارد والسلطة، بحيث يشعر كل مكوّن بأنه شريك حقيقي في الوطن.
دور الشعب السوري في التأسيس
وفقًا لهوبز، لا تقوم الدولة من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى أن يمنحها الناس الثقة والشرعية والتنازل الضروري عن حق حماية النفس بالقوة أو التكتل والصراع أو في العصبية، إلى حماية النفس من خلال القانون وسلطة مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن الشعب السوري اليوم هو المعني الأول بإحياء هذا المشروع من خلال :
· رفض حكم الميليشيات والفصائل مهما كانت شعاراتها.
· المطالبة بقيادة مدنية جامعة، تمتلك مشروعًا وطنيًا لا فئويًا.
· المشاركة الفاعلة في تشكيل مؤسسات شرعية، بعيدًا عن التبعية السياسية أو الطائفية.
· ومن الضروري تقبل إن الدولة ليست جهازًا أمنيًا ولا علمًا يُرفع فوق مبنى، بل هي إرادة جمعية تتجسد في مؤسسات تحمي الجميع دون استثناء.
إن الرهان على مشروع دولة سورية وطنية جامعة هو الفعل الثوري الحقيقي الذي يعطي تضحيات السوريين على مدى أربعة عشر عاماً القيمة الحقيقية.
دور الحكومة السورية في التأسيس
انعدام الثقة بين المواطن والدولة يؤخر عملية البناء أو التعافي ،وفي هذا المرحلة يكمُن دور الحكومة الأساسي بإرجاع ثقة المواطن من خلال:
· تأهيل الجهاز الأمني على أساس هوية وطنية بحتة من خلال اعداد برامج تدريب أمنية وقانونية تجبر العنصر على التعامل وفق ضوابط قانونية وأخلاقية محددة.
· نشر نقاط أمنية في الأحياء مهامها الأساسية حماية الممتلكات والسكان.
· الإسراع في عملية العدالة الانتقالية وإنشاء المحاكم المختصة.
· تحديد يوم من كل شهر تخرج فيه الحكومة ممثلة بوزرائها على التلفزيون السوري الرئيسي توضح من خلاله الخطط والبرامج لطمأنة المواطن.
· إيقاف الحالة الإعلامية الغير محترفة والغير رسمية عن تمثيل مؤسسات الدولة أي الابتعاد عن السيناريو والمنهج الذي كان يتبعه النظام البائد، وهذا من شأنه أن يزيد من احترام هيبة الدولة في المحافل المحلية والدولية.
· حكر الالتقاء مع الأصدقاء الدوليين فقط من قبل مسؤولين حكوميين وبعض منظمات المجتمع المدني الحقوقية والإغاثية الخدمية.
· إبعاد العسكر عن المشاركة في الحياة السياسية مع منحهم كافة الخدمات اللوجستية والتأكيد دوماً على دورهم في حماية الوطن وأبنائه.
· توحيد وضم منظمات المجتمع المدنية والإغاثية ضمن إطار تنسيقي فقط، لضمان توزيع البرامج بشكل فعال ومؤثر يضمن تعميم المصلحة وشموليتها.
· تحويل سجون النظام البائد إلى أماكن مهمة من تاريخ الشعب السوري وضمها لوزارة الشؤون الثقافية لصون صوت المعتقلين الذين ضحوا بحياتهم لأجل قضية الشعب السوري وهذا من شأنه أن يجلب التسليط الإعلامي الإيجابي الذي يمكن أن يجذب المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية للأشخاص المعتقلين سابقاً وذويهم ويمنح في نفس الوقت الاعتزاز بالنفس للمواطن السوري من خلال رفع قيمة التضحيات التي قدمها الشعب السوري البطل.
الدولة أو الفوضى
بعد أشهر من سقوط النظام المجرم في سوريا وبعد محاولات عديدة من النظام الجديد في إرساء دعائم الاستقرار وبعد الكثير من الانتهاكات الجسيمة التي وقعت ضد العديد من أبناء سوريا نتيجة تناحرات سياسية وطائفية لابد أن يستفيق السوريون نخبًا وشعبًا وأن يخلصوا إلى أن الدولة هي الخلاص الوحيد من دوامة الدم والخراب، أو أن يستمروا أسرى للتشتت والتبعية والاقتتال ،بطبيعة وحقيقة أنه لا وجود لخيار ثالث.
وأن بعد بناء الدولة تأتي الحكومات وتذهب ويعقبها آخرى ولكن لابد من بناء دولة ذو سيادة تحمي المواطنين كونهم “أبناء هوية سورية” ففي زمن أصبح فيه السلاح هو المعيار، والأجندة الخارجية هي المحدد، والأعداء من كل حدب وصوب فإن الرهان على مشروع دولة سورية وطنية جامعة هو الفعل الثوري الحقيقي الذي يعطي تضحيات السوريين على مدى أربعة عشر عاماً القيمة الحقيقية.
وتمامًا كما قال هوبز:
“في غياب الدولة، لا أمن ولا راحة بل فقط خوف دائم، وحياة بائسة قصيرة”.
فلنؤسس دولتنا الواحدة والغير مجزئة جميعاً والزمن كفيل بإصلاح الأمور بعد دوران عجلة الدولة ، أو لنتهيأ للغرق أكثر وسنُذكر حينها في التاريخ كشعب فشل بالحفاظ على وحدته الوطنية والتاريخية.
- تلفزيون سوريا


























