دمشق ـ «القدس العربي»: أكد ممثلون عن إدارة الشؤون السياسية في سوريا، خلال لقاء لهم مع مواطنين شراكسة في دمشق، عن تعرض الإدارة السورية إلى ضغوط ترتبط بوضع الأقليات، مشددينعلى أنه «عندما يتعلق الأمر بإعادة بناء الوطن فلا يجب أن يتم ذلك عبر المحاصصة الطائفية» مؤكدين أن البلاد «تمر بفترة انتقالية يتم خلالها دراسة وإعادة بناء كل شيء» وأن على السوريين كمواطنين أن «يرفضوا قبل أن ترفض الإدارة السياسية، كل ما يمكن أن يؤثر على مبدأ المواطنة وأن يجزئنا ويحولنا إلى لبنان ثان أو عراق ثان» وهي المواقف ذاتها التي أقرها واتفق عليها الحضور من الشركس.
وقامت إدارة الشؤون السياسية، ممثلة بالعضو في مكتب العلاقات العامة، رئيس مكتب الأقليات، سرور الحسين، والملقب بالشيخ أبو عبد الرحمن، بزيارة إلى مقر الجمعية الخيرية الشركسية في ضاحية حرستا، حيث كان بانتظاره عدد من المواطنين الشركس السوريين المقيمين في العاصمة وريفها القريب.
ونقلت صحيفة «الوطن» السورية عن مصادر رسمية قولها إن الزيارة جاءت «في إطار تعزيز العلاقات الاجتماعية وتوثيق أواصر التعاون المشترك» موضحة أن «اللقاء مع المواطنين الشركس هو لتعزيز روابط المجتمع المحلي وبحث سبل بناء استراتيجية جديدة للمرحلة المقبلة، وفتح آفاق أوسع للتعاون بين مختلف مكونات المجتمع».
في بداية اللقاء قدم رئيس مجلس إدارة الجمعية الشركسية في سوريا غسان شورى ملخصا عن المكون الشركسي وأبرز مطالبه من العهد الجديد، وشدد على أن الشركس جزء من النسيج السوري ويقدر تعداده بإحصائية غير رسمية ما بين 350 ـ 400 ألف نسمة قبيل بدء الثورة السورية عام 2011، وهم يعيشون على تراب الوطن منذ أكثر من 150 عاما بعد أن تم تهجيرهم من أرض أجدادهم في منطقة شمال القوقاز نتيجة صراع طويل مع روسيا القيصرية دام لأكثر من 100 عام.
واعتبر أن الشركس «يؤكدون على شرف المواطنة ووحدة المصير مع كل أطياف المجتمع السوري، وعلى رغبتهم واستعدادهم للمشاركة وبشكل فعال في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لبناء دولة سوريا الحرة المستقلة، اعتمادا على الخبرات والكفاءات المتوفرة لدينا في مختلف الأصعدة التشريعية والتنفيذية والمحلية».
وناشد بضرورة «دعم القرى الشركسية المتوزعة على كافة رقعة الوطن والتي تعرضت لدمار وأضرار كثيرة لإعادة تأهيلها وإعمارها، وتوفير الخدمات والبنى التحتية لها، مما سيسمح لأهاليها بالعودة والعيش فيها، ودعم المبادرات الاقتصادية والتنموية فيها والتي ستسهم في تمكين وتحسين مستوى المعيشة لهم
وأكد على ضرورة «الحرص بالحفاظ على التراث الثقافي الشركسي وأصالته وتعليم اللغة الشركسية بكافة الوسائل الممكنة من خلال إنشاء مدارس ومراكز تعليم وتدريب خاصة، ومراكز ثقافية ومنابر إعلامية وإقامة الأنشطة والفعاليات وإحياء المناسبات والأعياد الخاصة».
التشاركية في الرؤية
في مداخلته التمهيدية قبل فتح باب الحوار مع الحضور، عبر رئيس مكتب الأقليات الذي تم تقديمه بلقبه الشيخ أبو عبد الرحمن، عن تمنياته في أن يكون هذا اللقاء الأول «بداية لانطلاقة ولمرحلة جديدة نؤسسها سوية خلال المرحلة المقبلة».
اتفاق على مبدأ المواطنة ورفض المحاصصة الطائفية
وقال: «أردنا أن نجلس مع كل الحواضر الشعبية حتى نكون قريبين من كل المجتمع ولتكون لدينا رؤية واضحة خلال مرحلة إعادة بناء سوريا، ولكي ننقل آلامكم وآمالكم إلى القيادة ولنكون المحامي المدافع عن قضاياكم وحقوقكم، وأن نتشارك الرأي والرؤية في المرحلة المقبلة».
وأكد الحسين أن سوريا «أمام استحقاق كبير جداً وعلينا أن نكون في قدر المسؤولية، ونحن كنشطاء في العمل السياسي وحتى نشطاء المجتمع المدني علينا ان نستقطب فئة الشباب والعمل على الجيل القادم لأننا أمام مرحلة مفصلية فإما نكون أو لا نكون».
عضو الوفد الإعلامي، أحمد القاسم، أوضح أنه «عندما دخلنا دمشق فاتحين لم نتعامل بمبدأ الثأر والانتقام وإنما بمبدأ المواطنة لنصل إلى حالة العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين».
وتابع: «لنا الشرف بتواجدنا بينكم، فالمكون الشركسي في سوريا وفي المنطقة عموما معروف، ونعلم أنهم ممن هُجر خوفا على دينه، ونحنا عشنا التهجير وعدنا اليوم» وقال: «تعتبرون جزءا ومكونا أساسيا من مكونات الشعب السوري ولم تعد هناك أي تفرقة على الإطلاق فجمعينا أخوة وتبقى هناك فقط الخصوصية في التراث، والدولة تعمل اليوم على مبدأ المواطنة وفتح الباب أمام الكفاءات ليتبوأوا المناصب، من دون أي علاقة للعرق أو الدين أو الطائفة».
وفي مداخلته استشهد فيصل نجاتي بما حصل خلال حفل إعلان الحكومية الانتقالية في 29 آذار/ مارس الماضي عندما استوقف أحد شيوخ القبائل من السويداء الرئيس أحمد الشرع ليعاتبه على تهميشهم.
وتابع: بناء على هذه الحادثة أقول إنكم اليوم أمام تحد كبير، فسوريا فيها تنوع عرقي وديني وطائفي ومناطقي، وهناك من يعتز بطائفته ومنطقته، ولكنه صراحة هو يتعصب لها، وهناك غيور يريد أن يكون حاضرا في هذا المجتمع، وهناك من يريد أن يكون حاضرا سياسيا واقتصاديا من باب التعصب، فكيف ستواجهون كل هذا التحديات وكيف ستراضون كل أطياف المجتمع السوري بكل أشكاله لننهض بهذه الدولة؟.
وأجاب القاسم على نجاتي بالقول: «إن العمل سيكون عبر اعتماد مبدأ المواطنة والاعتماد على التكنوقراط بما يعنيه ذلك من أن تسقط كل الاعتبارات الأخرى، لأنه أمامنا تجارب عشناها في محيطنا القريب ومنها التجربة اللبنانية التي ما إن اتجهت نحو المحاصصة الطائفية، شاهدنا حالة اللادولة وباتت الولاءات لأحزاب بعضها يحمل حتى ايديولوجيا دينية».
وأضاف: «في التجربة العراقية رأينا بعد سقوط نظام صدام حسين، المحاصصة الطائفية، لكن ما تم عمليا هو إنهاء للدولة الوطنية» مشدداً على أن الأمر «ليس ماذا تريده هذه الطائفة أو تلك وأن نُرضي كل طائفة على حدة، وإنما ماذا يريد الوطن ككل وما هو دورك في بناء هذا الوطن؟ وبهذه الطريقة ننتصر ونحافظ على خصوصيات كل طائفة».
وقال: «عندما يتعلق الأمر بإعادة بناء الوطن فلا يجب أن يتم ذلك عبر المحاصصة الطائفية» مشيراً إلى أن «الإدارة السورية تتعرض إلى ضغوط ترتبط بوضع الأقليات».
لا أحزاب قومية أو طائفية
في مداخلة لمراسل «القدس العربي» تم التوضيح بأن نجاتي كان يشير فيما ذهب إليه إلى استبعاد الشركس بشكل شبه كامل من أي منصب يمكن من خلاله أن يساهموا في بناء الدولة السورية، وأنه ومن جهة أخرى، ومن خلال فسحة الحرية التي شعر بها السوريون، بدأوا يرفعون أصواتهم للخوض في ملفات كانوا يهابونها، وصرنا نسمع على مستوى الشركس خلال الشهر الأخير مطالب بممارسة أنشطة سياسية وبدأ تحرك من حمص ووصل إلى حلب وربما يصل إلى دمشق قريباً تحت مسمى «مجلس العشائر الشركسية في سوريا» يسعى القائمون عليه للعب دور لا تقوم به الجمعيات ولم يقم به المجلس الاستشاري الشركسي غير المرخص لا سابقا ولا حاليا، وقد يحمل طابعا سياسيا قوميا مبنيا في البداية على ممارسة دور في إطار الصلح العشائري إن صح التعبير، مع احتمال أن تظهر تحركات أخرى تطالب بتأسيس أحزاب ذات صبغة قومية. وتساءلت «القدس العربي» عن موقف القيادة السياسية من مثل هذه التحركات، وهل تستطيع القوميات والإثنيات التحرك بناء على انتماءاتها لتشكيل أحزاب سياسية؟ فكان الرد من رئيس مكتب الأقليات في الشؤون السياسية أبو عبد الرحمن أنه «سابقا كنا نقاتل على ثغر واليوم نقاتل على ثغور عدة، والمخاطر المقبلة أصعب من تلك التي تجاوزناها ولسنا اليوم في صدد إعداد هيكلية جديدة لأحزاب جديدة باعتبار أن الدولة دخلت مرحلة جديدة، وإنما يجب أن نبقى حذرين ونستشعر بحالة الخطر التي تحيط بسوريا والأعداء يتربصون من كل حدب وصوب».
وتابع: «ينبغي علينا ان نتحلى بمستوى الوعي المطلق في المرحلة المقبلة ونتخلى قليلا عن الأكاديمية العملية حول بناء المؤسسات الداخلية فهناك قضية تشغلنا اليوم جميعا والكل يقاتلنا من أجل ديننا وخصوصا بعد أن استطعنا التخلص من المد الشيعي بنصر من الله».
وبعد أن ذكر بدوره التجربتين اللبنانية والعراقية، قال: «هناك خطط موضوعة لسورية يقف وراءها الكيان الصهيوني لخلق الكانتونات الطائفية والتأسيس لانقسام داخلي يضعفنا حتى يملوا علينا وصفات سياسية، ونحن تعرضنا لضغوط وشروط واملاءات سياسية لكننا لم ولن نقبل بها ونسعى جميعا لأن يكون الجسم السوري في الداخل متماسكاً لنستطيع أن نقف في وجه كل الضغوطات الخارجية».
وبين القاسم أنه «إذا لم تكن لك استراتيجية فإنك ستقع ضمن استراتيجية الغير، بل علينا أن تكون لدينا استراتيجية مضادة، وبدلا من أن أفكر في تأليف حزب تركماني أو علوي أو درزي، علي التفكير كيف سألم الشمل بشكل أفضل وأن تكون استراتيجيتي المضادة هي أن أفكر في الوحدة لأحاصر فكرة التجزئة مع حفاظ الدولة وحماية كل الخصوصيات الإثنية».
وتابع: «نحن اليوم في فترة انتقالية يتم خلالها دراسة وبناء كل شيء بما فيها المسار السياسي الذي بدأت تتشكل بنيته التحتية» ومشدداً على مبدأ المواطنة قال: «علينا كمواطنين أن نرفض حتى قبل أن ترفضها الإدارة السياسية أي شيء يمكن أن يجزئنا ويحولنا إلى لبنان ثان أو عراق ثان.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» بيّن رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية الشركسية غسان شورى أن أبو عبد الرحمن وعد بتسريع إجراءات إعادة الترخيص للجمعة الخيرية الشركسية، ضمن عملية إعادة ترخيص جميع الجمعيات في سوريا، وهو الأمر الذي كانت طالبت به وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة تسيير الأعمال السابقة، وأيضا وعد بمساعدتها في تثبيت ملكية مشفى محجوب الذي كان قد تبرع به صاحب المشفى قبل الثورة لصالح الجمعية، مع صدور قرار مبرم من محكمة النقض حينها بصحة هذا التبرع».
وبين شورى أن الوفد خرج بانطباع جيد عن لقائه وسط توقعات بأن تتم اتصالات أخرى مع الجمعية، موضحاً أن الفترة الماضية «كانت حساسة جداً وكنا كمن يسير ضمن حقل ألغام ونجحنا والحمد لله من تجاوزها» مشيرا إلى أن «اتحاد الجمعيات الشركسية في إسطنبول «تشركسفيد» كان له دور فاعل في شهر رمضان الماضي بتقديم المساعدات للعائلات في جميع فروع الجمعية في المحافظات السورية».
وذكر عدد من الحضور أن التحرك في اتجاه انشاء حزب سياسي يحمل الصفة القومية للأقلية الشركسية هو طرح مرفوض، وبين أحد الذين تحدثت إليهم «القدس العربي» أنه حتى لو وافقت الدولة مجازاً للترخيص لحزب سياسي شركسي فما الحجم الذي يمكن أن يشكله هذا الحزب على الخريطة السورية بسبب العدد المحدود للشركس في سوريا، وإذا ما شارك كممثل للشركس في أي انتخابات فلن يستطيع أن يحصل على أي مكتسب.
وتمنى آخر أن تسعى الحكومة الجديدة في مساعدة الشركس ليس فقط بالسماح لهم بافتتاح المدارس الخاصة، وإنما بناء الدولة مدرسة خاصة لهم حتى المرحلة الثانوية وتقديمها لهم، أو أبقاؤها تابعة لوزارة التربية، باعتبار أن الشركس من الطبقات الاجتماعية غير الميسورة وقد سحقتها السنوات الماضية.
وبين المتحدث لـ«القدس العربي» أنه يمكن في هذه المدرسة تدريس التراث والثقافة واللغة الشركسية إلى جانب المناهج الرسمية المعتمدة في الدولة، للحفاظ على هذا الإرث من الضياع، وتعليمه للأجيال الجديدة.
- القدس العربي


























